لغز «أحمد الشرع»؛ من العضوية في القاعدة وداعش إلى دخول قاعة السلطة

في تاريخ التحولات السياسية الحديثة، نادراً ما يمكن العثور على شخصية استطاعت، بقدر أحمد حسين الشرع، المعروف بأبي محمد الجولاني، أن تُحدث «تحولاً جلديّاً» بهذه السرعة. قصته ليست مجرد رواية لقائد ميداني في الحرب السورية؛ بل هي تشريح دقيق لكيفية تكيف الفاعلين من غير الدول مع التغيرات الجيوسياسية العالمية. في عالم تتآكل فيه الهيمنة التقليدية للقوى الكبرى (مثل الولايات المتحدة)، ويُملأ فراغ القوة بفاعلين إقليميين وهجينين، يشكّل مسار الجولاني من «إرهابي مطلوب» إلى «دبلوماسي سياسي» دراسة حالة فريدة لفهم مبادئ التعامل مع التغيير في النظام العالمي. هل تغيير الزي من الأقمشة العسكرية إلى البدلة الغربية رمز لتغير أيديولوجي، أم مجرد تكتيك للبقاء في الشرق الأوسط الجديد؟

بدهی آمریکا

محمد الجولاني؛ أزمة هوية أم استراتيجية بقاء؟

أخيراً، وتحت ضغط الولايات المتحدة، سقط بشار الأسد عبر سلسلة من العمليات العسكرية، وتحولت سوريا بعد عقد من الحرب المدمّرة إلى مختبر لاختبار قوة الفاعلين الناشئين. في قلب هذا المختبر، تقف جماعة هيئة تحرير الشام (HTS)، التي سيطرت على أجزاء واسعة من شمال غرب سوريا (إدلب). السؤال الرئيسي هنا هو: كيف تحوّل قائد أسّس يوماً الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سوريا، خلال فترة زمنية قدرها عشر سنوات، إلى «الخيار الوحيد القابل للاعتماد» لإدارة جزء من الأراضي السورية وسدٍّ في وجه الفوضى؟

هذا التحول في المقاربة ليس صدفة. بل هو انعكاس لفهم عميق لتغيّر موازين القوى في العالم؛ حيث إن القوى الغربية، بسبب تحدياتها الداخلية وظهور منافسين مثل الصين وروسيا، لم تعد تملك القدرة أو الإرادة للانخراط في «بناء الدول» (Nation Building) بشكل مباشر، وتفضّل بدلاً من ذلك متابعة أهدافها عبر «قوى محلية»، حتى لو كانت ذات ماضٍ إشكالي.

من الزنازين الانفرادية في العراق إلى إمارة إدلب

مسار أحمد الشرع لم يكن خطيّاً. لفهم موقعه اليوم، يجب التعامل مع محطات حياته المفصلية بوصفها بيانات خام:

2003–2011: مرحلة التكوين في ظل حرب العراق

وُلد أحمد الشرع في درعا، لكن هويته العسكرية تشكّلت في العراق. بعد انضمامه إلى تنظيم القاعدة في العراق (بقيادة أبي مصعب الزرقاوي)، خاض تجربة السجن في «بوكا» (Camp Bucca) تحت الإدارة الأمريكية. تحوّلت السجون الأمريكية في العراق إلى جامعة لبناء شبكات قادة التطرّف المستقبليين. تعكس هذه المرحلة فشل المقاربة الصلبة الأمريكية في مواجهة الأيديولوجيا.

2012–2016: صعود جبهة النصرة والقطيعة الكبرى

مع اندلاع الأزمة السورية، عاد إلى سوريا بتكليف من أبي بكر البغدادي (الزعيم آنذاك لتنظيم داعش) وأسّس «جبهة النصرة». جاءت النقطة المفصلية الاستراتيجية في عام 2016، حين أعلن علناً قطع ارتباطه بالقاعدة. لم يكن هذا الفعل توبة دينية، بل حساباً سياسياً دقيقاً لإزالة ذريعة القصف من قبل القوى العالمية والإقليمية.

2017–حتى الآن: مشروع بناء الدولة

كان تأسيس «حكومة الإنقاذ» (Salvation Government) في إدلب تحوّله النهائي. انتقل التركيز من «الجهاد العالمي» إلى «السيطرة المحلية وتقديم الخدمات العامة». في هذه المرحلة، قام الجولاني بتصفية خصومه بلا رحمة ليحكم قبضته على احتكار السلطة.

هذا النموذج يذكّر بمسار طالبان في أفغانستان؛ جماعة أدركت إرهاق الولايات المتحدة وتغيّر الأولويات العالمية، فحوّلت استراتيجيتها من حرب عصابات محضة إلى دبلوماسية إقليمية (مفاوضات الدوحة) وصولاً إلى إدارة البلاد. كلتا الحالتين تدلّان على تراجع قدرة الغرب على فرض البُنى السياسية التي يرغب بها.

هشدار برای نظم جهانی؛ احمد الشرع از تروریست سابق تا رهبر مشروع سوریه
هشدار برای نظم جهانی؛ احمد الشرع از تروریست سابق تا رهبر مشروع سوریه

أمريكا في مواجهة الجولاني؛ من تحديد مكافأة على رأسه إلى استضافته في البيت الأبيض

تحديد جائزة على رأس أبي محمد الجولاني: في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وخلال الولاية الأولى لرئاسة دونالد ترامب، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عبر برنامجها الرسمي «مكافآت من أجل العدالة» (Rewards for Justice – RFJ) بشكل علني عن جائزة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل تقديم معلومات تؤدي إلى تحديد هوية محمد الجولاني (أحمد الشرع) أو اعتقاله أو تصفيته. السبب الرسمي: قيادته لجبهة النصرة بوصفها الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سوريا. جاء هذا القرار في لحظة كان الجولاني يحاول فيها، عبر تغيير اسم التنظيم (فتح الشام ← هيئة تحرير الشام) وإعادة التموضع الإعلامي، تقديم صورة «محلية وبراغماتية» عن نفسه؛ غير أن واشنطن قيّمت هذه التغييرات على أنها تكتيكية وغير حقيقية، ورسّخت من خلال تثبيت الجائزة الخط الأحمر المرتبط بـ«القاعدة».

الاستضافة الرسمية لأحمد الشرع في البيت الأبيض: بحسب تقارير وسائل إعلام معتبرة، تحوّل لقاء «أحمد الشرع» (الشخصية نفسها المعروفة سابقاً باسم «أبو محمد الجولاني») في البيت الأبيض خلال الولاية الثانية لترامب عملياً إلى «صورة رمزية لانعطاف في السياسة». فالشخص الذي كان يُدرج حتى وقت قريب في السردية الرسمية الأمريكية ضمن ملفات الإرهاب، أصبح بعد التغيرات الميدانية في سوريا ومشروع تطبيع العلاقة بين دمشق وواشنطن، طرفاً تفاوضياً يدخل غرفة صنع القرار. هذه الاستضافة، بغضّ النظر عن مضمون التفاهمات خلف الأبواب المغلقة، حملت رسالة إعلامية دقيقة: إعادة تعريف الصديق/العدو على أساس الوظيفة الجيوسياسية (التعاون ضد محور المقاومة، مسارات العقوبات، وهندسة نظام أمني جديد في بلاد الشام)؛ وهو ما يبدو صادماً للرأي العام، و«واقعيةً قاسية» لصانع القرار.

ميزة الجولاني؛ تغيير العلامة التجارية وقابلية عالية للتحوّل!

تحليل سلوك أحمد الشرع استناداً إلى البيانات الميدانية يُظهر ثلاثة تحوّلات تكتيكية رئيسية، منسجمة مع نماذج الحوكمة الهجينة الحديثة:

أ) تغيير العلامة البصرية والدبلوماسية

الصور المنشورة للجولاني في السنوات الأخيرة (ارتداء البدلة، زيارة الأسواق، افتتاح مشاريع عمرانية) هي محاولة واعية لتطبيع صورته. مقابلته مع الصحفي الأمريكي (Martin Smith) في برنامج PBS Frontline كانت محاولة صريحة لإرسال رسالة إلى الحكومات: «أنا لست عدوكم، أنا واقع قائم».

ب) اقتصاد سياسي قائم على الاحتكار

تُظهر البيانات الاقتصادية أن هيئة تحرير الشام (HTS) تسيطر على المفاصل الاقتصادية الرئيسية في إدلب (معبر باب الهوى). من خلال فرض الضرائب والسيطرة على سوق الوقود والعملات، أنشأت هذه الجماعة شبهَ دولة مستقلة. تقديرات تقريبية تشير إلى أن الدخل الشهري لهيئة تحرير الشام من المعابر والضرائب يبلغ عدة ملايين من الدولارات، تُخصّص للبنية التحتية العسكرية.

ج) قمع المنافسين المتشددين

خلافاً للتصور السائد، خاضت هيئة تحرير الشام في السنوات الأخيرة أعنف مواجهاتها مع جماعات متشددة مُماثلة (مثل حراس الدين المرتبط بالقاعدة). يشكّل هذا الإجراء إشارة إلى المجتمع الدولي على قدرتها على لعب دور «الشرطي المحلي» في مكافحة الإرهاب الدولي؛ وهو الدور الذي لم تعد القوى الكبرى راغبة في أدائه بشكل مباشر.

سوريا بعد وصول الجولاني إلى السلطة

تُظهر تطورات سوريا حتى عام 2026 أن أزمة هذا البلد انتقلت من «حرب أهلية» إلى مرحلة من التفكك العملي (de facto fragmentation)، حيث فقدت السلطة المركزية فاعليتها، وتوزّعت البلاد بين فاعلين محليين وقوميين وقوى خارجية. في هذا السياق، اتجهت المناطق ذات الغالبية الدرزية في الجنوب (ولا سيما السويداء)، بالاعتماد على البُنى المسلحة المحلية وانعدام الثقة العميق بدمشق، نحو نوع من الحكم الذاتي؛ وهو مسار، إلى جانب المطالب الكردية في الشمال الشرقي، زاد من مخاطر التفكك الإقليمي لسوريا.

في الوقت نفسه، تشكّلت تفاعلات أمنية واستخباراتية بين البنية الحاكمة الجديدة في دمشق والولايات المتحدة، تركزت أساساً على احتواء المعارضين، وضبط الحدود، والحد من نفوذ إيران. غير أن هذه التعاونات لم تُفضِ إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، ولم تمنع استمرار عدم الاستقرار الداخلي. وعلى الصعيد الإقليمي، أدى فراغ الحوكمة الفاعلة إلى توسيع نطاق وشدة الضربات الجوية الإسرائيلية على الأراضي السورية؛ وهي ضربات استهدفت في الغالب البنى العسكرية ومستودعات السلاح ومواقع القوات المتحالفة مع إيران، لكنها عملياً أسهمت في إضعاف أكبر لوحدة الأراضي السورية وزيادة الكلفة الإنسانية على المدنيين.

إن خلاصة البيانات الميدانية والتقارير الدولية تشير إلى أن مزيج الاستبداد الأمني الداخلي، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الهوياتية غير المحسومة، أوصل سوريا إلى نقطة بات فيها تغيير الفاعلين الحاكمين، من دون إعادة بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة وتحقيق توافق وطني، مجرد تغيير في شكل الأزمة لا في جوهرها.

سوریه پس از به قدرت رسیدن جولانی
سوریه پس از به قدرت رسیدن جولانی
سوریه پس از به قدرت رسیدن جولانی

دروس من تحولات سوريا للنظام العالمي

تحوّلات سوريا في العقد الماضي، ولا سيما المسار غير الخطي لفاعلين مثل أحمد الشرع، تُظهر أن النظام العالمي الآخذ في التحوّل لم يعد يعمل على أساس الشرعيات الكلاسيكية، أو الخطوط الحمراء الثابتة، أو الثنائيات البسيطة من نوع «إرهابي/دولة»، بل يُعاد تعريفه وفق منطق الوظيفة، والسيطرة على الأرض، وإدارة التهديد. أثبتت التجربة السورية أن القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، تراجعت عن دور «شرطي العالم» واتجهت إلى واقعية حدّية، تُقدَّم فيها الاستقرار النسبي، واحتواء الخصوم ذوي الأولوية، وخفض الكلفة، على الديمقراطية وحقوق الإنسان أو إعادة بناء الدولة-الأمة.

في مثل هذا النظام، يستطيع الفاعلون المحليون المسلحون، عبر توطين السلطة، والمرونة الأيديولوجية، والتفاعل الانتقائي مع القوى الخارجية، الانتقال من الهامش إلى مركز صنع القرار، من دون أن يتحوّلوا بالضرورة إلى دول فاعلة أو شرعية. وفي الوقت نفسه، يكشف عجز البُنى الدولية عن منع التفكك، والحروب بالوكالة، والضربات العابرة للحدود (مثل الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة على سوريا)، أن مفهوم السيادة الوطنية في النظام العالمي بات، أكثر من كونه مبدأً، متغيراً قابلاً للمساومة.

الدرس الجوهري الذي تقدّمه سوريا للنظام العالمي هو أن البقاء والتأثير في عالمٍ متعدد الأقطاب آخذ في التشكل لا يمرّ عبر الاصطفاف الأيديولوجي، بل عبر الفهم الدقيق لتوازنات القوى، وإدراك المصالح المتغيّرة للقوى الكبرى، والقدرة على التكيّف السريع مع القواعد غير المكتوبة للسلطة؛ وهو نظام تصبح فيه الأخلاق والقانون والتحالفات تابعة للظروف، لا العكس.

أحمد الشرع، الذي كان يوماً رمزاً للرعب، بات اليوم حقيقةً لا يمكن تجاهلها في الجيوسياسة الشرق أوسطية. وهذه الحقيقة تمثّل رمزاً صارخاً لعصرٍ آخذ في الأفول، تعيد فيه القوى الكبرى، عبر استخدام فاعلين محليين مفضّلين لديها، كتابة قواعد اللعبة بما يخدم مصالحها، لا بالضرورة مصالح الشعوب.

تحليل أبعاد تراجع النظام العالمي الليبرالي

المصادر