السجل الأسود لأمريكا في شراء الأراضي

عندما أعرب دونالد ترامب في أغسطس 2019 عن رغبته في شراء جزيرة جرينلاند، تعاملت العديد من الوسائل الإعلامية مع الأمر على أنه نكتة أو فكرة طارئة [10]. لكن لمحللي تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، لم تكن تلك التصريحات مزحة، بل كانت انعكاساً “لتقليد عريق” في السياسة الخارجية لواشنطن [15].

فالولايات المتحدة لم تتوسع عبر الحرب ومعاهدات السلام فقط؛ فجزء كبير من الخريطة الحالية للولايات المتحدة هو نتيجة مباشرة لصفقات مالية. من شراء لويزيانا الذي ضاعف مساحة البلاد [3] إلى شراء ألاسكا الذي أخرج الروس من أمريكا الشمالية [5]. لكن السؤال الجوهري في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين هو: هل النموذج الذي كان فعالاً في عصر الإمبراطوريات الاستعمارية في القرن التاسع عشر لا يزال مجدياً في النظام العالمي الجديد، وفي عصر المنافسة مع الصين وصعود روسيا من جديد؟

يعيد هذا التقرير، من خلال استعراض البيانات التاريخية ووثائق الأرشيف الوطني الأمريكي [4] [7]، فتح ملف “دبلوماسية العقارات”.

آمریکا اگر گرینلند را بخرد

صفقة القرن التاسع عشر: عندما باع نابليون لويزيانا!

في عام 1803، كانت الولايات المتحدة لا تزال لاعباً هامشياً في السياسة العالمية، محصورة في الشريط الشرقي لأمريكا الشمالية. عبر المحيط، كان نابليون بونابرت يناور بين مشكلتين كبيرتين: احتمال حرب وشيكة مع بريطانيا، وتمرد العبيد في هايتي الذي أحبط حلم فرنسا الإمبراطوري في القارة الأمريكية [1].

كان توماس جفرسون، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، يبحث فقط عن شراء ميناء “نيو أورلينز” لضمان الوصول إلى نهر المسيسيبي. لكن نابليون قدم عرضاً كان من المستحيل رفضه: إقليم لويزيانا بأكمله [2].

البيانات الرئيسية لصفقة لويزيانا:

  • المساحة: حوالي 2.14 مليون كيلومتر مربع (تضم كامل أو أجزاء من 15 ولاية أمريكية حالية) [3].
  • السعر: 15 مليون دولار (ما يعادل حوالي 340 مليون دولار بأسعار اليوم) [4].
  • السعر لكل هكتار: حوالي 4 سنتات [1].

هذه الصفقة لم تضاعف مساحة الولايات المتحدة فحسب، بل أخرجت سلمياً إحدى القوى العظمى الأوروبية (فرنسا) من الفناء الخلفي لأمريكا. وكانت أول وأكبر نجاح في استراتيجية “شراء الأمن والجغرافيا”.

ألاسكا: مقامرة بقيمة 7.2 مليون دولار ضد بريطانيا

بعد نصف قرن من الصفقة مع فرنسا، جاء دور الإمبراطورية الروسية. بعد حرب القرم (1853-1856)، وجد القيصر ألكسندر الثاني نفسه في وضع مالي صعب وكان يخشى أن يخضع إقليم ألاسكا، في حالة نشوب صراع جديد مع بريطانيا (التي كانت تسيطر آنذاك على كندا)، للاحتلال دون تعويض [5].

في عام 1867، وقّع ويليام سيوارد، وزير الخارجية الأمريكي، عقداً سخرت منه الصحافة الأمريكية في ذلك الوقت ووصفته بـ “حماقة سيوارد” أو “حديقة دببة قطبية” [6]. لكن لماذا كان هذا الشراء استراتيجياً؟

  • إزالة منافس: وضع حد للوجود الروسي في القارة الأمريكية.
  • حصار بريطانيا: ممارسة ضغط جيوسياسي على مستعمرات بريطانيا في كندا.
  • الموارد: أدى اكتشاف الذهب والنفط لاحقاً إلى مضاعفة قيمة الصفقة آلاف المرات [7].

اليوم، ألاسكا ليست مصدراً للطاقة فحسب، بل تعتبر أيضاً خط الدفاع الصاروخي الأمامي للولايات المتحدة ضد روسيا، وممراً رئيسياً للهيمنة على القطب الشمالي.

سند لوئیزیانا و چک آلاسکا
خرید ایالت لوییزیانا

جزر فيرجن: أمن قناة بنما مقابل الذهب

دخول أمريكا القرن العشرين صاحبه تغير في الأولويات من “الأرض” إلى “القواعد العسكرية”. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى والخوف من أن تحتل ألمانيا الجزر الدنماركية في الكاريبي وتهدد منها قناة بنما التي تم إنشاؤها حديثاً، فتحت واشنطن محفظتها [8]. في عام 1917، اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن من الدنمارك [9].

  • السعر: 25 مليون دولار (دفعت بعملات ذهبية).
  • القيمة النسبية: كان هذا المبلغ أغلى بكثير من المشتريات السابقة (حوالي 295 دولاراً للهكتار مقارنة بـ 2 سنت لألاسكا) [8].

أظهر هذا الشراء أن الولايات المتحدة مستعدة لدفع مبالغ باهظة من أجل “الأمن البحري” والتحكم بالممرات الاستراتيجية الحيوية.

جزیره

جرينلاند: الجدار الصلب للواقع في القرن الحادي والعشرين

نعود إلى عرض دونالد ترامب. لماذا فكر رئيس الولايات المتحدة مرة أخرى في شراء الجغرافيا عام 2019؟ جرينلاند، إقليم الدنمارك ذاتي الحكم، هي أكبر جزيرة في العالم، تقع بين شمال المحيط الأطلسي والقطب الشمالي [10]. الدوافع الجيوسياسية والاقتصادية:

  1. موارد العناصر الأرضية النادرة: تمتلك جرينلاند احتياطيات هائلة من النيوديميوم، البراسيوديميوم، والديسبروسيوم؛ عناصر حاسمة لإنتاج الهواتف الذكية، بطاريات السيارات الكهربائية، وأنظمة توجيه الصواريخ، وتهيمن الصين حالياً على سوقها [11].
  2. طريق القطب الشمالي: مع ذوبان الجليد، تفتح طرق شحن جديدة تقلل المسافة بين آسيا والغرب [13].
  3. قاعدة ثولي الجوية: أقصى قاعدة عسكرية أمريكية شمالاً، وهي جزء من نظام الإنذار المبكر للصواريخ [14].

**العرض المالي (حسب تقرير رويترز):**اقتراح مالي (وفق تقرير رويترز):

كشف مطّلعون أن حكومة ترامب كانت تدرس تقديم حوافز مالية مباشرة إلى حكومة غرينلاند وسكانها. شملت الأرقام التي نوقشت إعانات سنوية قدرها 600 مليون دولار، أو مدفوعات مباشرة ضخمة يمكن أن تصل في النهاية إلى عشرات المليارات من الدولارات [15]. لكن لماذا فشل هذا الصفقة؟

كان ردّ «ميت فريدريكسن»، رئيسة وزراء الدنمارك، قصيرًا وحاسمًا: «غرينلاند ليست للبيع. غرينلاند ليست ملكًا للدنمارك؛ غرينلاند ملكٌ لغرينلاند» [10].

اعتراضات گرینلند
اعتراضات گرینلند

تحليل استراتيجي: نهاية عصر “السيادة القابلة للتبادل”

إن فشل مشروع شراء غرينلاند لم يكن مجرد حدث دبلوماسي بسيط؛ بل كان علامة على تحوّل جوهري في النظام الدولي. تكمن الفروقات الأساسية بين 1867 (شراء ألاسكا) و2024 في مفهوم «السيادة الوطنية» وظهور خصوم جدد [12].

  • تغيّر طبيعة الإقليم:

في القرن التاسع عشر، كانت الأراضي تُعدّ ممتلكات شخصية للملوك، ولا يملك سكانها (السكان الأصليون أو المهاجرون) حق التصويت في نقل الملكية. في القرن الحادي والعشرين، يمنع حق تقرير المصير والهوية الوطنية حدوث مثل هذه الصفقات. يُنظر إلى اقتراح شراء دولة أو إقليم يتمتع بالحكم الذاتي في الأدبيات السياسية الحديثة على أنه إهانة [11].

  • وجود منافسين أقوياء (الصين وروسيا):

على خلاف حقبة شراء لويزيانا عندما كانت الولايات المتحدة المشتري الوحيد المتاح نقدًا، فإن غرينلاند اليوم تملك خيارات أخرى. تسعى الصين، عبر سياسة «طريق الحرير القطبي»، إلى الاستثمار في البنية التحتية للتعدين والمطارات في غرينلاند [13]. يؤدي هذا التنافس إلى أن تنظر الدنمارك والاتحاد الأوروبي إلى النفوذ الخارجي بحساسية أعلى بكثير، وألا تسمح بتمرير تفويض حصري إلى الولايات المتحدة.

  • عدم كفاية القوة المالية وحدها:

في الماضي، كانت الولايات المتحدة قادرة على كسب امتيازات باستخدام ضعف القوى الأوروبية (مثل روسيا القيصرية أو فرنسا نابليون) من الناحية المالية. لكن اليوم، تعدّ الدنمارك اقتصادًا غنيًا وهي عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ولا تخضع لضغط مالي طارئ لبيع أراضيها [11].

الخلاصة

تُظهر تاريخ توسّع الولايات المتحدة أن «المال» كان دائمًا بقدر «بارود» في رسم حدود هذا البلد. لكن قصة غرينلاند كشفت سقف هذه الاستراتيجية في عالم متعدد الأقطاب جديد [13]. بينما ما تزال الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على هيمنتها في القطب الشمالي وإلى الوصول إلى موارد حيوية، فإنها لم تعد قادرة على التغلب على تحديات القرن الحادي والعشرين المعقدة عبر آليات بسيطة من نوع «الشراء والبيع» على طريقة القرن التاسع عشر. إن المنافسة اليوم ليست على شراء سند ملكية، بل على النفوذ الاستراتيجي، والاستثمار في البنية التحتية، وبناء التحالفات؛ وهو ميدان لا يكفي فيه امتلاك «دولار» وحده [15].

انفجار الدين في أمريكا: تشريح سقوط 38 تريليون دولار

المصادر والمراجع: