الطريق إلى القدس يمرّ عبر بغداد!
منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003، شهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط اضطرابات كبيرة، حيث أصبحت النزاعات الطائفية والحروب العنيفة جزءاً أساسياً من هذا الواقع الجديد. وتُظهر الوثائق الاستراتيجية التي تمّ تقديمها سابقاً بوضوح الاستراتيجيات التي اعتمدتها الولايات المتحدة خلال هذا الغزو وبعده، كما تكشف عن التوجّه المتعمّد من قبل الصهاينة (بعكس ادّعاءاتهم حول محاربة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل) نحو تقسيم الجماعات الاجتماعية والدينية في العراق.
في كتاب «إسرائيل وصدام الحضارات (Israel and the Clash of Civilisations)» لجوناثان كوك، و«الوثائق السرية عن العراق (Iraq Confidential)» لسكوت ريتر، ورد أن السياسات الأمريكية المختلفة في العراق كانت منسجمة مع الأهداف العامة للمخططات الصهيونية التي تسعى إلى بلقنة الدول العربية لضمان الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. ومن خلال دراسة الوثائق والمصادر المرتبطة، يمكن التوصّل إلى أن هذا الغزو الذي غالباً ما برّره القادة الأمريكيون على أنه ردّ على الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، كان في الحقيقة مدفوعاً بدوافع وأهداف أخرى.
في الواقع، كان هذا العمل استمراراً لمساعي الصهاينة لتفكيك العراق، واستغلال التوترات القومية والطائفية القائمة من أجل إضعاف قوة هذا البلد الإقليمية والسيطرة على موارده النفطية. وفي المحصلة، يتبيّن أن هذا الهجوم مستوحى بشدة من المخطط الاستراتيجي الشامل لعُوديد ينون حول “إسرائيل الكبرى”، ومن الاستراتيجية النيومحافظة المسماة بـ «الانفصال التام – Clean Break».
• خطة عوديد ينون
«خطة عوديد ينون» وثيقة استراتيجية إسرائيلية وُضعت عام 1982، كانت تهدف في الأصل إلى بلقنة الشرق الأوسط. ووفقاً لأنصارها ومعدّيها، فإن أهداف هذه الخطة تمثّلت في تقسيم دول المنطقة إلى كيانات سياسية أصغر وأضعف، بما يضمن هيمنة إسرائيل في المنطقة. ورغم أن خطة ينون تُعتبر في كثير من الأحيان مشروعاً إسرائيلياً بحتاً، إلا أنها ارتبطت لاحقاً باستراتيجيات ومشاريع أخرى، ما أدى إلى تدخل الولايات المتحدة في العراق. ومن وجهة نظر المنتقدين، فإن الولايات المتحدة نفّذت بعض جوانب هذه الاستراتيجية في سياساتها تجاه دول المنطقة.
وقد أُطلق على هذه الاستراتيجية رسمياً اسم «استراتيجية لإسرائيل في عقد الثمانينات»، وهي خطة متعددة الأوجه تهدف إلى الحفاظ على موقع إسرائيل في الشرق الأوسط وتعزيزه. وتشمل العناصر الأساسية لهذه الخطة ما يلي:
– البلقنة (بلقنة الدول العربية): تدعو الوثيقة إلى تفتيت الدول العربية القائمة إلى كيانات أصغر وأكثر تشرذماً، عبر استغلال الفجوات القومية والطائفية.
– الهجوم على العراق: يُعتبر العراق، بما يملكه من احتياطات نفطية هائلة وموقع استراتيجي في قلب المنطقة، هدفاً أساسياً لتنفيذ خطة البلقنة الصهيونية. وقد سعى الاستراتيجيون الإسرائيليون إلى تقسيم العراق إلى دولة كردية ودولتين عربيتين، إحداهما للشيعة والأخرى للسنة.
– تأجيج الخلافات القومية والطائفية: تهدف الخطة إلى خلق وتعميق التوترات بين المكوّنات القومية والطائفية في الدول العربية.
– ضمان هيمنة إسرائيل: تسعى إسرائيل، من خلال تنفيذ هذه الخطة، إلى خلق بيئة غير آمنة وغير مستقرة في محيطها لضمان تفوقها السياسي والعسكري في المنطقة.
وفي كتابه «إسرائيل وصدام الحضارات (Israel and the Clash of Civilisations)»، يشير جوناثان كوك إلى أن نتائج الغزو الأمريكي للعراق، مثل الحرب الأهلية واحتمال تفكيك الدولة، لم تكن مصادفة، بل جاءت ضمن استراتيجية متعمّدة صاغها ونفذها صناع القرار من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. هذه الاستراتيجية تعكس أفكار خطة ينون التي نُشرت عام 1982، والتي دعت إلى تفتيت الدول العربية المجاورة لإسرائيل إلى كيانات أصغر على أسس قومية وطائفية، بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني.
ويُبرز كوك أن خطط تقسيم العراق لاحقاً إلى مناطق كردية وسنية وشيعية تتماشى إلى حد كبير مع رؤية ينون والأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى في مشروع “إسرائيل الكبرى”. كما أن الخرائط المنشورة في مجلة The Atlantic عام 2008، وقبلها في عام 2006 في مجلة Armed Forces Journal التابعة للقوات المسلحة الأمريكية، تؤكد هذه الرؤية، إذ عكست ما يُعرف بـ «الشرق الأوسط الجديد» وتقسيماته المرجوّة.
وقد ساهم تسريح نحو 400 ألف جندي من جيش البعث العراقي بعد سقوط صدام، في تنفيذ هذه الاستراتيجية الصهيونية، حيث تحوّل كثير منهم إلى جماعات متطرفة وإرهابية، ما أدى إلى تصاعد حدة النزاعات والعنف الطائفي والقومي. وكان الهدف النهائي من الغزو الأمريكي وتلك السياسات هو تفكيك العراق، كدولة موحدة ذات تداخل ديموغرافي سنّي شيعي كبير، يُعدّ منافساً محتملاً للكيان الصهيوني، من خلال إشاعة الانقسام والانفصال بين مكوناته.
• استراتيجية "الانفصال الكامل"
يشير جوناثان كوك بشكل خاص إلى وثيقة “الانفصال الكامل” التي كتبها مستشارو المحافظين الجدد الرئيسيون في الإدارة الأمريكية لصالح بنيامين نتنياهو عام 1996، والتي أوصت صراحة بأن يتم دفع العراق إلى الفوضى والعنف الطائفي بعد سقوط صدام. هذا الإدراك المسبق يُظهر أن النتائج المزعزعة للاستقرار الناجمة عن الغزو الأمريكي للعراق لم تكن مجرد توقع محتمل، بل كانت جزءاً محسوباً وجزءاً أساسياً من هذه الاستراتيجية. لقد سعت استراتيجية “الانفصال الكامل” بشكل واضح إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تتماشى مع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وخصوصاً في ما يتعلق بالوصول إلى الموارد النفطية العراقية.
كان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحول محورية في المنطقة، وله تبعات عديدة لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. وكما ذُكر سابقاً، فإن العديد من المنتقدين يعتقدون أن الولايات المتحدة استلهمت في تحركاتها من مبادئ خطة ينون واستراتيجية الانفصال الكامل. ومن بين أبرز النقاط التي طرحها هؤلاء في هذا السياق ما يلي:
- حل الجيش العراقي: أدى حل الجيش إلى فراغ أمني كبير، ما أسفر عن صعود الميليشيات وانتشار العنف الطائفي على نطاق واسع.
- إلغاء البعث: تسبب إقصاء أعضاء حزب البعث من المناصب الحكومية في تفكيك البنية الاجتماعية القائمة، وخلق أزمة هوية لدى شريحة واسعة من السكان.
- نشر الفيدرالية: سعت الحكومة التي أنشأتها الولايات المتحدة إلى تطبيق نظام فيدرالي، مما أدى إلى تصاعد نفوذ الحكومات الإقليمية المستقلة وتجزئة العراق على أسس قومية وطائفية.
- ظهور “الهلال الشيعي”: يُنظر إلى دعم أمريكا لـ”الهلال الشيعي” – وهي منطقة تضم دولاً ذات أغلبية شيعية – على أنه خطوة استراتيجية تهدف إلى زعزعة استقرار خصوم إسرائيل الإقليميين ومواجهة نفوذهم.
- نشوء تنظيم داعش: استناداً إلى دراسات متعددة، فإن ظهور داعش يُعدّ نتيجة مباشرة للعوامل المزعزعة للاستقرار التي ولّدها الاحتلال الأمريكي للعراق، وهو ما يراه كثيرون كأثر رئيسي لتلك السياسات.
الإجراءات الخاصة في تنفيذ الاستراتيجية الصهيونية الكبرى ضد العراق
شمل تنفيذ هذه الاستراتيجية من قبل الولايات المتحدة عدة خطوات محورية، تمثلت في:
- خصخصة النفط وإضعاف عائدات الدولة:
اتبعت الولايات المتحدة بعد غزوها للعراق نموذجاً اقتصادياً نيوليبرالياً يهدف إلى خصخصة شاملة لصناعة النفط العراقية. لم تضعف هذه الاستراتيجية عائدات الدولة فحسب، بل قوّت المؤسسات الخاصة وأسهمت في تفكيك السلطة السياسية والاقتصادية.
وقد أدت هذه الخصخصة إلى إبعاد الثروات العراقية عن مفهوم المصلحة الوطنية الشاملة، حيث وقعت بيد شركات خاصة متعددة، ما قوّض الأساس المالي للدولة العراقية. وكما ورد في كتاب جوناثان كوك، فإن الضغط على العراق لتسليم موارده النفطية إلى الشركات الأجنبية أضعف بشكل واضح قدرته المالية وأفقده القدرة على الاستقرار ومقاومة التفكك.
ووفقاً لما أشار إليه سكوت ريتر في كتابه “أسرار العراق” (Iraq Confidential)، فإن خطة الخصخصة لم تكن مجرد خطوة اقتصادية بل مناورة استراتيجية مدروسة سلفاً لتفكيك الاستقرار المالي للعراق. وقد أدت إلى مفاقمة التفاوت الطبقي، وزادت من الاستياء والتوترات بين المكوّنات الطائفية والعرقية. - إثارة الفتن الطائفية وبلقنة الأقليات:
دعمت الولايات المتحدة المجموعات الدينية والعرقية المختلفة بعضها ضد بعض، مستغلة التوترات المسبقة، لتخلق صراعات طائفية واسعة النطاق. وقد عكست تقسيم المدن الكبرى ودعم فئات محددة استراتيجية “فرّق تسد”، وهي توجه واضح في خطة ينون الصهيونية، خاصةً فيما يتعلق بإشعال الفتنة بين السنة والشيعة.
وتؤكد تحليلات كوك أن تفكيك الأقليات الدينية والعرقية كان عنصراً أساسياً في استراتيجية أمريكا، حيث تم تصميم المشهد السياسي ليمنع أي توحد شعبي ضد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية.
لقد سعت هذه المقاربة إلى تحقيق عراق منقسم، يسهل التحكم فيه ويُعدّ أقل تهديداً لإسرائيل. - تشجيع العنف الطائفي:
يشير كل من كوك وريتر إلى أن الولايات المتحدة لم تكن مجرد متفرجة على العنف الطائفي، بل كانت عنصراً مسبباً ومخططاً له. فالحرب الأهلية التي شهدها العراق لم تكن نتيجة عشوائية، بل جزء من خطة مدروسة نفذها المحافظون الجدد لتعزيز الانقسامات المذهبية.
هذا العنف أدّى إلى تفكك الهوية الوطنية العراقية، ودفَع المجتمعات نحو الولاءات الطائفية بدلاً من الانتماء للوطن الواحد. - تسليح الجماعات الراديكالية وتقديم المال لها:
يتضمن جزء كبير من الاستراتيجية الصهيونية، بحسب كوك وريتر، تسليح وتمويل الجماعات المتطرفة التي تتماشى مع الرؤية الجيوسياسية الأمريكية، سواء كانت سنّية أو شيعية، على حساب الجماعات المعتدلة.
وتشير بعض التقارير إلى دعم عمليات “سوداء” (Black Ops) تنفذها البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية في كل من إيران والعراق لزرع الفتن العرقية والدينية.
هذه السياسة لم تؤدِّ فقط إلى تغذية الصراعات الداخلية، بل ساعدت على تصعيد التطرف، وإضعاف أي جبهة وطنية موحدة في مواجهة الهيمنة الأجنبية. - الترويج لمفهوم “الشرق الأوسط الجديد”:
الحديث المتكرر عن “شرق أوسط جديد” يعكس رغبة صهيونية في إعادة ترسيم حدود المنطقة، بما يتماشى مع خطة ينون التي تدعو إلى تفتيت الدول العربية إلى كيانات صغيرة وضعيفة.
وقد جاءت الفوضى المتعمّدة التي أعقبت غزو العراق، من ضمن مشروع تغيير الأنظمة، لتسهيل التقسيم الفعلي للعراق على أساس مذهبي وعرقي، وتوفير بيئة خصبة لنشوء الجماعات المتطرفة. - استخدام ذكي لمفهوم مصطنع: “الحرب على الإرهاب”:
استُخدم خطاب “الحرب على الإرهاب” بعد أحداث 11 سبتمبر كذريعة لتبرير التدخل العسكري في العراق، تحت ادّعاء إعادة الاستقرار والديمقراطية.
لكن في الواقع، أدّت هذه السياسات إلى تعزيز الانقسامات وتشجيع الانتماءات الطائفية على حساب الوحدة الوطنية. فقد تحوّلت الجماعات الصغيرة إلى كيانات تسعى لحماية مصالحها الطائفية، بدلاً من الانخراط في مشروع وطني موحد.
PNAC یا پروژه قرن جدید آمریکایی
مصادرنا
.
.
http://countercurrents.org
.
لا يوجد تعليق