النظام الدولي الليبرالي هو نظام أيديولوجي للحكم العالمي، قائم على مجموعة من القيم الليبرالية الأساسية. تشمل هذه القيم التجارة الحرة والمفتوحة، والحكم الديمقراطي الليبرالي، وحقوق الإنسان العالمية، والأمن الجماعي، وسيادة القانون. وقد استمر هذا النظام حتى الآن من خلال شبكة من المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة (UN)، وصندوق النقد الدولي (IMF)، والبنك الدولي، والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT)، التي تحولت لاحقاً إلى منظمة التجارة العالمية (WTO). وقد تصوّر مهندسوه نظاماً «قائماً على القانون» و«مفتوحاً بالكامل» يعزز التعاون الدولي ويمنع الصراعات الكارثية في القرن العشرين التي دمّرت العالم مرتين.2 و 3
تعود جذور النظام الليبرالي إلى أربعينيات القرن العشرين، ويعتبر العديد من الباحثين نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 نقطة انطلاقه. كما تُعد الاتفاقات السابقة، مثل ميثاق الأطلسي عام 1941، من الوثائق الأساسية لهذا النظام. وكان اتفاق بريتون وودز التاريخي عام 1944 لحظةً محورية في مسيرة هذا النظام، إذ أسس نظاماً لإدارة النقد يقوم على الدولار الأمريكي، الذي كان قابلاً للتحويل إلى سبائك ذهبية للحكومات الأجنبية. وقد أرسى هذا الإطار، الذي أنشأ أيضاً صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) – النسخة السابقة للبنك الدولي – أساساً لمنع تخفيضات العملات التنافسية والتقلبات التجارية في ثلاثينيات القرن العشرين، التي عُدّت من العوامل المسببة للكساد الكبير. وقد أدّت الولايات المتحدة، بدعم من الدول الليبرالية الأخرى، دوراً قيادياً وحيوياً في تأسيس هذه المؤسسات.5 و 4
نهاية الحرب الباردة عام 1991 مثّلت تحولاً كبيراً في النظام الدولي. فمع انهيار الاتحاد السوفييتي، قدّمت الولايات المتحدة نفسها كالقوة العظمى الوحيدة في العالم، مما أدى إلى لحظة أحادية القطب ظهر فيها نظام عالمي قائم على المؤسسات والقيم الليبرالية. وتميّزت هذه المرحلة بانتشار الديمقراطية الليبرالية والانفتاح الاقتصادي، وهي عملية حظيت بإشادة واسعة في الأوساط الأكاديمية وصنع السياسات. ويُعدّ عمل فرانسيس فوكوياما المعنون «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» مثالاً كلاسيكياً على الترويج لهذا المنظور المنتصر. ومع ذلك، لا يتفق جميع الباحثين مع هذا الإطار الزمني؛ فعلى سبيل المثال، قدّم جون ميرشايمر رؤية مختلفة، حيث يجادل بأن النظام الليبرالي لم يظهر فعلياً إلا بعد نهاية الحرب الباردة.6
في هذا المقال، سيتم تقديم تحليل متعدد الأبعاد لتحديات النظام الليبرالي الحالي، يتجاوز مجرد سرد بسيط لفكرة التراجع. يستعرض هذا التقرير بشكل منهجي دوائر التفاعل بين العوامل الداخلية والدولية، ويقيّم بصورة نقدية الحجج الرئيسية المؤيدة والمعارضة لفكرة انهيار النظام الليبرالي، كما يستكشف الرؤى المتنافسة لمستقبل النظام العالمي.
هندسة النظام: الأصول والأسس للنظام الدولي الليبرالي
لم يكن النظام الدولي الليبرالي تحت قيادة الولايات المتحدة ظاهرة عضوية، بل كان مشروعاً نشطاً وأيديولوجياً بُني وتكرّس على مدى عقود. في جوهره، صُمم النظام الليبرالي لإنشاء بنية مؤسسية تعزز الأمن الجماعي، وتقوّي التعددية، وتشجع الأسواق الحرة. كانت المؤسسات الرئيسية مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، واتفاقية التجارة الحرة مركزية في هذا المشروع. وكمنظومة نقدية، كان نظام بريتون وودز أول إطار يتم التفاوض عليه بالكامل بهدف إدارة العلاقات التجارية بين الدول المستقلة، وقد استند إلى نظام أسعار صرف ثابتة يركز على الدولار الأمريكي كعملة احتياطية.7
بعد نهاية الحرب الباردة، استخدمت الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية لتوسيع هذا النظام والحفاظ عليه إلى حد ما على المستوى العالمي. وقد اعتُبر هذا التوجه نحو أحادية القطب في العالم بعد عام 1991 من قبل الكثيرين ذروة النظام الليبرالي، إذ سمح غياب منافس أيديولوجي كبير بانتشار الأفكار والمؤسسات الليبرالية إلى هذا الحد. ومع ذلك، لم يكن توسع النظام الليبرالي وظهور الولايات المتحدة كقوة أحادية القطب خالياً من التناقضات والقيود الداخلية.8
لقد واجهت الأنظمة الليبرالية حتى الآن تحليلات نقدية ملحوظة تشكك في طبيعتها المُسماة بـ«الليبرالية». ووفقاً لتحليل لمركز تشاتام هاوس، يُعرف النظام الليبرالي بدقة على أنه «هيمنة طبقية» مشبعة بعمق بـ«افتراضات عنصرية واستعمارية-إمبريالية صريحة وضمنية».9 يتأكد هذا النقد أيضاً من خلال الحوكمة المؤسسية لهذا النظام. على سبيل المثال، في صندوق النقد الدولي (IMF)، تمتلك الولايات المتحدة، مع كونها تمثل 4% فقط من سكان العالم، نحو 17% من القوة وحق التصويت، ما يمنحها قدرة فريدة على النقض (الفيتو) للقرارات الرئيسية. في المقابل، تمتلك أكثر من 180 دولة نامية مجتمعة أقل من نصف إجمالي قوة التصويت. ويعتقد هذا النقد أيضاً أن هذا النظام لم يكن أبداً حقاً «مفتوحاً» أو «متساوياً»، وأن بنيته المؤسسية صممت أساساً لخدمة مصالح الشركات والحفاظ على «منطقة كبيرة» من الهيمنة الأمريكية والبريطانية. وكانت هذه البنية الهرمية مخصصة لضمان تدفق المواد الخام إلى الغرب لاستخدامها في إعادة الإعمار والاستقرار الاجتماعي، بينما تتدفق السلع الصناعية النهائية في الاتجاه المعاكس. ووفقاً لرأي هذا المركز البحثي، عمل هذا النظام حتى الآن بـ«مجموعة مزدوجة من القوانين»: «منطقة سلام» للعالم الغربي، وقوانين «قاسية، نيو-إمبريالية وسيطرة» تُطبّق على بقية العالم.10 و 11 و 12
صورة: التفاوت الكبير في قوة التصويت للولايات المتحدة الأمريكية في صندوق النقد الدولي مقارنة ببقية الأعضاء
بالطبع، يجب التأكيد على أن هذه النفاق الجوهري ليس مجرد ظاهرة نظرية؛ بل هو محفز مباشر للتحديات الراهنة للنظام الليبرالي. فقد تم التركيز بشدة من قبل النقاد على التناقض بين القيم المعلنة للنظام الليبرالي (الديمقراطية، حقوق الإنسان العالمية) وسلوكياته غير الليبرالية، مثل غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003. وقد أشارت وزارة الخارجية الصينية تحديداً إلى هذا الغزو كمثال على تجاوز الولايات المتحدة لمجلس الأمن للأمم المتحدة وانتهاك نفس المعايير التي تدعي أنها مسؤولة عن حمايتها. هذا الانحطاط الأخلاقي ليس مجرد مشكلة خارجية؛ بل يُنظر إليه أيضاً كعامل ذاتي التدمير للنظام نفسه. إذ تُضعف «الأسس الأخلاقية» المعلنة للنظام الليبرالي عندما يعمل الضامن الرئيسي له، أي الولايات المتحدة، خارج القوانين التي فرضتها على الآخرين. ويؤدي هذا الاضطراب إلى تعزيز ردود الفعل القومية والمعارضة للهيمنة، سواء داخل المجتمعات المحلية أو بين الفاعلين الدوليين، مما يقوّض شرعية النظام الليبرالي ويشكّل رابطاً حججياً قوياً لأزمته الحالية.13 و 14 و 15
الجدول 1: المؤسسات الرئيسية للنظام الدولي الليبرالي
اسم المؤسسة | سنة التأسيس | المبادئ / الهدف الرئيسي | الدور في النظام الدولي الليبرالي |
صندوق النقد الدولي (IMF) | 1945 | مراقبة أسعار الصرف ومنح القروض بالعملات الاحتياطية للدول التي تواجه عجزاً في ميزان المدفوعات لمنع تخفيضات العملة التنافسية. | عمود أساسي في نظام بريتون وودز، ينظم النظام النقدي الدولي ويعزز التعاون لتعزيز الاستقرار الكلي الاقتصادي. |
البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) | 1945 | في البداية لتقديم القروض لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. والآن جزء من مجموعة البنك الدولي. | مؤسسة رئيسية في بريتون وودز للثبات المالي العالمي، توسع هدفها ليشمل التنمية وتقليل الفقر. |
الأمم المتحدة (UN) | 1945 | الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، تطوير علاقات ودية بين الأمم، وتعزيز التقدم الاجتماعي وحقوق الإنسان. | عمود مؤسسي ومعياري مركزي يوفر قاعدة للتعاون متعدد الأطراف وتعزيز القيم العالمية. |
اتفاقيات التعريفات الجمركية والتجارة (GATT) | 1948 | تعزيز التجارة الدولية من خلال خفض أو إزالة الحواجز التجارية مثل التعريفات والحصص. وتم استبداله بمنظمة التجارة العالمية في 1995. | محرك رئيسي للانفتاح الاقتصادي العالمي، أنشأ إطاراً للتجارة القائمة على القانون والتكامل الاقتصادي. |
أزمة من الداخل: التحديات الداخلية وعلامات الضعف
تراجع الولايات المتحدة والنظام الدولي الليبرالي ليس نتيجة للتغيرات الجيوسياسية الخارجية فقط؛ بل هو في الأساس نتاج للخصائص الذاتية المدمّرة لهذا النظام. فقد خلق البُعد الاقتصادي للنظام الليبرالي، الذي غالباً ما يُعرف منذ ثمانينيات القرن الماضي بـ«العولمة المفرطة»، تفاوتاً اقتصادياً كبيراً داخل الدول، وكان هذا الاتجاه أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى. وهذه «الفائضية في التفاوت» ليست مجرد نتيجة للقوى الاقتصادية العالمية، بل هي نتيجة ترتيبات مؤسسية خاصة داخل الولايات المتحدة فشلت في إعادة توزيع الثروة بشكل فعال. وقد تكرّس هذا التركيز للثروة إلى جانب نظام سياسي يضمن مصالح الأثرياء بشكل أفضل من مصالح الفقراء أو الطبقات العاملة في مجال التشريع.17 و 18و16
هذا الاستياء الاجتماعي-الاقتصادي، لا سيما بين الطبقات العاملة والمتوسطة البيضاء «المهملة»، أثار ردود فعل حقوقية ومعارضة شديدة. فقد واجهت هذه الفئات أجوراً منخفضة للغاية وأحياناً ثابتة، وفقدان فرص اقتصادية، مما أدى إلى شعور متزايد بالإحباط تجاه السياسات الحاكمة. وكان هذا الاستياء الواسع قوة دافعة رئيسية وراء حركة «أميركا أولاً» وانتخاب دونالد ترامب عام 2016. والآن، تتجه الولايات المتحدة نحو «الابتعاد» عن نفس النظام الذي أنشأته. والمشكلة الأساسية هي أن الآليات الاقتصادية للنظام الليبرالي، وبشكل خاص الأسواق الحرة وتحرير التجارة بلا قيود، قد خلقت الظروف لفقدان الشرعية داخلياً. وهذه الهشاشة الهيكلية تمثل مشكلة حيوية وذاتية المرجعية تتجاوز التهديدات الخارجية.19 و 20 و 21
لقد امتدت آثار هذا الانقسام الداخلي إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة، التي أصبحت في العقود الأخيرة أكثر استقطاباً بشكل متزايد. فالانقسامات الحزبية تؤثر الآن بشكل متكرر على قدرة الكونغرس على التحرك في القضايا الكبرى للسياسة الخارجية، مثل تقديم المساعدات للدول الأخرى أو تنفيذ الاتفاقيات التجارية. وقد أدى هذا الاستقطاب إلى تقلبات سياسية ملحوظة ومفاجئة من إدارة رئاسية إلى أخرى بشأن قضايا مهمة مثل تغيّر المناخ والتعاون الدولي. ويُعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس ومنظمة الصحة العالمية مثالاً بارزاً على هذا الجو الفوضوي والمضطرب. وقد أدى هذا السلوك غير المتوقع والتناقض الداخلي إلى تقويض ثقة القادة والجمهور الخارجي، وجعلهم أكثر تشككاً في قيمة التعاون مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى اعتبارها «فعل غير موثوق».
.22 و 23 و 24
يتجلى تراجع الولايات المتحدة أيضاً من خلال عدة مؤشرات اقتصادية رئيسية:
- انخفاض حاد في الإنتاج الصناعي: فقد بلغت حصة الولايات المتحدة من الإنتاج الصناعي العالمي في عام 2024 نحو 17.3%، وهو أقل بكثير من الصين التي بلغت حصتها 27.7%. بالإضافة إلى ذلك، بلغ إجمالي القيمة المضافة للإنتاج الصناعي في الاقتصاد الأمريكي في عام 2024 نحو 9.98% من الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، وهو أدنى مستوى منذ عام 1997 وأقل من المتوسط العالمي الذي يبلغ 12.37%.25 و 26
- العجز التجاري: تواجه الولايات المتحدة اختلالات تجارية كبيرة مع شركائها الرئيسيين. ففي عامي 2024-2025، بلغ العجز التجاري للولايات المتحدة مع الصين 295.4 مليار دولار، ومع الاتحاد الأوروبي 235.6 مليار دولار، ومع المكسيك 171.9 مليار دولار.27
- تراجع الإدارة في مجال البحث والتطوير: نما الاستثمار الصيني في قطاع البحث والتطوير من عام 2019 إلى 2023 بمعدل يقارب ضعف معدل نمو الولايات المتحدة، وبحسب التقديرات، بلغ إجمالي نفقات البحث والتطوير في الصين حتى عام 2023 نحو 1.8 تريليون دولار، أي أكثر من ضعف إجمالي استثمارات الولايات المتحدة البالغ 823 مليار دولار.28
تجاوزاً عن الانقسامات السياسية والاقتصادية، تشير بعض التحليلات إلى مشكلة أعمق وأكثر فلسفية. هناك شعور متزايد بـ«التراجع الروحي» وفقدان الثقة بالنفس داخل هذا النظام وفي الولايات المتحدة. ويرى النقاد أن الأسس الأخلاقية للنظام الليبرالي تتآكل بسبب «الفردية المفرطة» في جوهره، والتي يعتقدون أنها جعلت المجتمع فارغاً. وقد أدى هذا الانهيار في الثقة إلى رد فعل داخلي شديد، حيث عادت التيارات الشعبوية، الحمائية، والقومية إلى الظهور، وأبدى عدد متزايد من الناس معارضتهم للنظام الليبرالي.30 و 29
الجدول 2: التحديات الداخلية والخارجية للنظام الدولي الليبرالي
| الفئة | التحدي المحدد | الآليات الرئيسية |
|---|---|---|
| داخلي | الاستقطاب الحاد في السياسة الداخلية | تؤدي الانقسامات الحزبية إلى تقلبات سياسية بين الحكومات وعدم التركيز، مما يقوض الثقة داخلياً ويجعل الولايات المتحدة فاعلاً غير موثوق. |
| الاستياء الاجتماعي-الاقتصادي | أدت العولمة المفرطة إلى زيادة التفاوت وتجميد الأجور، مما أثار ردود فعل داخلية قوية ضد الوضع القائم. | |
| الانحطاط الأخلاقي | النفاق وسياسات الولايات المتحدة المزدوجة بين الالتزام بالقيم الليبرالية والسلوك غير الليبرالي (وفق مصالحها فقط) أضعف شرعيتها وأدى إلى «تراجع أخلاقي» على المستوى العالمي. | |
| انخفاض المؤشرات الاقتصادية | انخفاض الحصة من الإنتاج العالمي، العجز التجاري الكبير، وتباطؤ نمو الاستثمار في البحث والتطوير، أضعفت الأسس الاقتصادية لقوة الولايات المتحدة. | |
| خارجي | صعود الصين | النمو الاقتصادي والعسكري للصين يتيح لها الترويج لرؤية منافسة ومركزة للدولة للنظام الدولي، دون ضغوط أو تدخلات أحادية الجانب من الولايات المتحدة. |
| الاستياء العالمي | الدول النامية في الجنوب العالمي والقوى الصاعدة لا تقبل البنية الحالية للنظام الليبرالي وتسعى لاسترداد حقوقها المفقودة. | |
| إزالة الدولار وإنشاء مؤسسات منافسة | حالياً، تتجه الدول تدريجياً بعيداً عن الدولار، وتعمل على إنشاء مؤسسات مالية بديلة، محاولة تحدي الهيمنة المالية للولايات المتحدة. |
التحدي من الخارج: التحديات الخارجية للنظام الدولي الليبرالي
تزداد هشاشة النظام الليبرالي الداخلي بفعل الضغوط الخارجية الكبيرة. ويُعد صعود الصين بالتأكيد أكثر هذه التحديات تعقيداً وإلحاحاً، إذ غيّر بشكل جذري البيئة الاستراتيجية الدولية لصالحه على حساب الولايات المتحدة. فالنمو الاقتصادي والعسكري لبكين منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية لم يتحدَ فقط القوة المادية للولايات المتحدة، بل قدم بديلاً أيديولوجياً موثوقاً للنظام الليبرالي. وتسعى الصين بنشاط لتقليص نفوذ الولايات المتحدة وتعزيز «رؤية وستفالية للنظام» المنافسة التي تركز على دور الدول، السيادة، وعدم التدخل.31 و 32
المنافسة بين الصين والولايات المتحدة ليست مجرد صراع بين قوى عظمى؛ بل هي صراع أيديولوجي جوهري حول مستقبل الحوكمة العالمية. ووفقاً لبيانات البنك الدولي، كانت الصين في عام 2022 الرائدة عالمياً في الصادرات بنسبة 14.58%، بينما احتلت الولايات المتحدة المركز الثاني بنسبة 8.31%. ويبرز هذا الخلل التجاري في العلاقات الثنائية، حيث بلغ العجز التجاري للولايات المتحدة مع الصين خلال عامي 2024-2025 نحو 295.4 مليار دولار، كما ذُكر سابقاً.34 و 33
من ناحية القوة العسكرية، تشير بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) في عام 2024 إلى أن النفقات العسكرية للصين بلغت نحو 314 مليار دولار، مما يجعلها ثاني أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري في العالم، رغم أنها لا تزال بعيدة عن رقم الولايات المتحدة البالغ 997 مليار دولار. وقد استحوذت هذه الدولتان، إلى جانب روسيا وألمانيا والهند، على 60% من إجمالي النفقات العسكرية العالمية في عام 2024. 35
وبالمثل، تخلق روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين تحدياً مباشراً وعدائياً للمعايير الليبرالية للنظام. وتُعتبر روسيا على نطاق واسع «قوة مُنتعشة» تسعى استراتيجياً لمواجهة النظام القائم من خلال استخدام نفوذها وقوتها العسكرية. كما بلغت النفقات العسكرية لروسيا في عام 2024 نحو 149 مليار دولار بعد نمو بنسبة 38%، ما يعادل 7.1% من ناتجها المحلي الإجمالي.36
بعيداً عن هذه المنافسات بين القوى الكبرى، يطرح الاستياء العالمي الواسع تحدياً على الهيكل الهرمي للنظام الليبرالي. فالكثير من الدول النامية في الجنوب العالمي ترى النظام الليبرالي منافقاً وتعتقد أن هذا النظام مُصمَّم ضدها. ويتأكد هذا من خلال بيانات قوة التصويت في مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، حيث تمتلك الولايات المتحدة نحو 17% من الأصوات ولديها القدرة على نقض القرارات الرئيسية، في حين تمتلك أكثر من 180 دولة نامية مجتمعة أقل من نصف القوة التصويتية. كما يعكس الاتجاه المتزايد نحو «إزالة الدولار» — حيث تسعى دول مثل روسيا والهند وإيران والسعودية إلى عملات بديلة وأنظمة دفع مشتركة — تحولاً كبيراً في الديناميات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية. فقد انخفضت حصة الدولار الأمريكي في الاحتياطيات الرسمية العالمية من ذروتها البالغة 72% عام 2001 إلى 58% عام 2024، والآن يفضل صانعو الاحتياطيات تنويع سلة عملاتهم. بالإضافة إلى ذلك، تراجعت حصة الأوراق المالية الأمريكية القابلة للتداول في الخزانة والمحتفظ بها من قبل المستثمرين الأجانب من نحو 50% عام 2014 إلى 32% في الربع الأول من عام 2025. 37
أهمية قضية فلسطين في النظام العالمي
المصادر
The American Interest: “Parsing Is the Liberal International Order?, Adam Garfinkle, 2017”
Brookings: “The Twilight of the Liberal World Order, Robert Kagan, 2017”
Belfer Center for Science and International Affairs: “Bound to Fail: The Rise and Fall of the Liberal International Order, John J. Mearsheimer, 2019”
Chathamhouse.org: “Competing visions of international order, Dr Leslie Vinjamuri and Professor Senem Aydın-Düzgit and et al, 2025”
Belfer Center for Science and International Affairs: “Bound to Fail: The Rise and Fall of the Liberal International Order, John J. Mearsheimer, 2019”
Chathamhouse.org: “Competing visions of international order, Dr Leslie Vinjamuri and Professor Senem Aydın-Düzgit and et al, 2025”
INDERJEET PARMAR: “The US-led liberal order: imperialism by another name?, 2018”
Chathamhouse.org: “Competing visions of international order, Dr Leslie Vinjamuri and Professor Senem Aydın-Düzgit and et al, 2025”
Chathamhouse.org: “Competing visions of international order, Dr Leslie Vinjamuri and Professor Senem Aydın-Düzgit and et al, 2025”
https://en.wikipedia.org/wiki/Hyper-globalization
https://wits.worldbank.org/CountryProfile/en/Country/WLD/Year/LTST/TradeFlow/EXPIMP/Partner/by-country
https://www.brookings.edu/articles/the-china-challenge-democracy-and-u-s-grand-strategy/
لا يوجد تعليق