إسرائيل الكبرى
تيدور هرتزل، مؤسس الصهيونية، في الصفحة ٧١١ من الجزء الثاني من كتاب مذكراته، ادعى أن نطاق دولة اليهود يمتد من نهر مصر (النيل) إلى الفرات. ومن الممكن أن يكون المقصود من «نهر مصر» ممر مائي صغير آخر يبعد حوالي ١٠٠ ميل شرق النيل. الحاخام فيشمان، عضو وكالة يهود فلسطين، أعلن أيضاً في جلسة تقديم شهادته في لجنة التحقيق الخاصة للأمم المتحدة في ٩ يوليو ١٩٤٧: «الأرض الموعودة تمتد من نهر مصر إلى الفرات، وتشمل أجزاءً من سوريا ولبنان أيضاً.»
مجموعة من الصهاينة المتطرفين تحت مسمى الصهاينة المنظرين أعلنوا علناً أن تشكيل الدولة الصهيونية في فلسطين بدون فرض القوة والعنف والنقل القسري للسكان الفلسطينيين الأصليين أمر مستحيل. عندما بدأت الحرب بين بريطانيا وألمانيا في عام ١٩٣٩، كان رأي أبراهام شترن أن العدو الرئيسي لهم هم الإنجليز. «عصابة شترن» تحت قيادته كانت منظمة سرية صهيونية تعمل في منطقة فلسطين تحت الانتداب البريطاني. هذه المجموعة كانت في ذلك الوقت تنفذ هجمات إرهابية ضد الإنجليز والعرب. البريطانيون في النهاية قتلوا شترن في فبراير ١٩٤٢.
شترن في «مبادئ الإحياء الوطني» أعلن نطاق الدولة اليهودية من النيل إلى الفرات. هذه المجموعة التي أُطلق عليها لاحقاً اسم ليحي، تم حلها في عام ١٩٤٨. أحد أعضاء القيادة الثلاثية لعصابة شترن كان إسحاق شامير الذي أصبح رئيس وزراء إسرائيل في عام ١٩٨٣، وكانت فترة توليه أعلى رتبة في الحكومة الإسرائيلية بعد بن غوريون في المرتبة الثانية. في الواقع، النظرة الصهيونية المنظرية في السنوات التالية كانت إلى منطقة سيناء، قطاع غزة، مرتفعات الجولان وجنوب لبنان نظرة استراتيجية وليس تاريخية. شامير في عام ١٩٨٩ وصف خطاب حافظ الأسد، قائد سوريا، حول موضوع «من النيل إلى الفرات» بأنه «هراء تام».
في أواخر القرن العشرين، كان أفرووم شمولوفيتش، قائد مجموعة «من أجل الوطن»، إلى جانب آهات يسرائيل، يعملان بهدف وأمل إقامة دولة إسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات، لكن عدد أعضاء هذه المجموعات الفرعية والصغيرة لم يتجاوز عدة مئات. عبارة Eretz Israel لا تعني وحدها «إسرائيل الكبرى». كلمة Eretz هي كلمة عبرية تعني «الأرض». أما المصطلح الذي يستخدمه الإسرائيليون من الجناح اليميني والمتطرف فهو «Eretz Israel Hashlema»، والذي يعني الأرض الكاملة لإسرائيل أو إسرائيل الكبرى. هذا التعبير الذي يستخدمه الإسرائيليون لا يشير إلى الأراضي التي وهبت لإبراهيم عليه السلام من النيل إلى الفرات. كما أنه لا يُستخدم أيضاً لمنطقة أصغر نسبياً يقال إنها كانت تحت سيطرة داود عليه السلام أو سليمان عليه السلام. مملكة سليمان امتدت من سوريا الحديثة إلى ضفاف نهر الفرات، وكانت مساحتها وأراضيها أكبر بكثير من إسرائيل الحالية. الحدود الغربية لتلك المملكة لم تكن أبعد كثيراً من حدود إسرائيل الغربية اليوم، ولذلك كانت أقرب إلى «نهر مصر» منها إلى نهر النيل.
في الواقع، عبارة Eretz Israel Hashlema تُستخدم عملياً للإشارة إلى نطاق الأراضي المحتلة التي كانت تحت سيطرة قبائل بني إسرائيل الاثني عشر (أسباط إسرائيل الاثني عشر)، أو المملكتين إسرائيل ويهوذا، أو جزء من أراضي مملكة آل المكابي. بالطبع، تحديد ورسم حدود كل هذه المناطق يتم على أساس التخمين والافتراض، والموارد التاريخية تختلف بشكل كبير في هذه المسائل.
في هذه النسخة الكاملة من أرض إسرائيل (أي Eretz Israel Hashlema) التي تمتد من الأردن إلى البحر المتوسط، يجب أن يُطرد الفلسطينيون من أرضهم ويحِلّ مكانهم المستوطنون المحتلون. في هذا الصدد، كانت حرب الأيام الستة عام 1967 نقطة تحول حساسة. الانتصار الإسرائيلي في تلك الحرب منحها السيطرة على الضفة الغربية، مما جعل الجناح الصهيوني المتطرف والمسيحيين اليهود الموعوديين أكثر جرأة في تجاهل حقوق السكان الأصليين الفلسطينيين.
بعد ذلك مباشرة، اتحدت مجموعة من المستوطنين الصهاينة لتأسيس ما أسموه بالعبرية «Tnuat Eretz Yisrael Hashlema» وبالإنجليزية «Land of Israel Movement» أي حركة أرض إسرائيل؛ وقد تم حذف كلمة «Hashlema/Whole» في الترجمة الإنجليزية. مؤسسو هذه الحركة كانوا يعرفون أن «إسرائيل الكبرى» صالحة فقط لـ «فلسطين الغربية» السابقة. ولم يدعِ أي مسؤول أو صاحب منصب في تلك الحركة تسمية «إسرائيل الكبرى» عليها، ولم يطالبوا أبداً بمهاجمة باقي مناطق الأردن أو لبنان أو سوريا أو مصر أو السعودية أو العراق.
حركة المستوطنين “جوش أمونيم” التي تأسست عام 1974، استبدلت التعبير القانوني «دولة إسرائيل» بالتعبير الوارد في الكتاب المقدس تحت عنوان «أرض إسرائيل»، وذلك لتبرير استيطانهم (غير القانوني) باسم تحالف خاص بين الله و«الشعب المختار». هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم الشعب المختار، كانوا يرون الصهيونية أيضاً كعملية «الخلاص الإلهي». من وجهة نظر “جوش أمونيم”، إذا وقعت هذه الأرض في يد غير اليهود، فإن ظهور المسيح سيتأخر.
رهافام زئيفي، قائد حزب “إهود ليئومي” (أي حزب الاتحاد الوطني)، كان من دعاة نظرية «الترحيل» التي اعتبرها بعض النقاد مجرد مصطلح مهذب لوجهة النظر التي تدعو إلى الطرد القسري لجميع الفلسطينيين من إسرائيل الكبرى. الغالبية العظمى من الإسرائيليين الذين انتقلوا للعيش في الخليل كانوا أيضاً من أنصار أيديولوجية «أرض إسرائيل الكبرى».
في كتاب «استخدام يد الله» تم التطرق إلى شعبية العنصر المسيحي في هذه العقيدة المتعلقة بنهاية الأزمنة. سايروس سكافيلد من تينيسي كان الشخص الذي روج لفكرة صعود المؤمنين إلى السماء بعد ظهور المسيح، وهو توجه لاهوتي انتشر قبل حوالي 200 عام في إنجلترا. هذه النظرية تقول إن المسيحيين يجب أن يلجأوا إلى أرض الكتاب المقدس اليهودية من أجل خلاصهم ونجاتهم، ويركزون انتباههم على تلك المنطقة؛ بحيث تصبح هذه الأرض للمسيحيين أهم من رسالة المسيح نفسه.
سكافيلد ادعى أن المسيح لن يظهر ما لم ينفذ اليهود خطة معدة مسبقاً؛ وفي هذا الإطار يجب عليهم مغادرة أوطانهم الأصلية ومنها روسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا، والاستقرار في فلسطين. ويجب عليهم، بمساعدة المسيحيين، تدمير أقدس مزار إسلامي في القدس، وهو المسجد الأقصى، الذي يمثل حوالي مليار مسلم في العالم. وبعد عودة المسيح، يجب على اليهود أن يتحولوا إلى المسيحية.
عقيدته التي عُرفت باسم «القدرية» تم ترميزها في الكتاب المقدس المرجعي لسكافيلد.
في عام 2005، بدا أن رأي الجمهور في إسرائيل لم يكن متفقاً مع نظرية «إسرائيل الكبرى» بأبعادها التوراتية (أي أرض إسرائيل الكبرى). في ذلك الوقت، أعلن يتسحاق ماير لاو، الحاخام الأكبر السابق لإسرائيل، أنه تقبل حقيقة أن احتمال تحقيق والوصول إلى أرض إسرائيل الكبرى في تلك الفترة كان ضعيفاً جداً. قال: «التوقع المفرط من جيل واحد غير منطقي». ومن وجهة نظره «اللعنات المذكورة في سفر اللاويين وسفر التثنية تحققت خلال الهولوكوست. نفس الجيل شهد عودة المنفيين، ثم خاض سبع حروب وأسس دولة اليهود. وربما يتم تحقيق أرض إسرائيل الكبرى في زمن آخر».
مؤخراً، نصب بيتساليل سموتريتش، وزير المالية في حكومة الاحتلال، خريطة على منبر خطابه تمثل خريطة إسرائيل الكبرى، والتي تشمل أجزاء من الأردن وسوريا ومصر، وأعلن أن حدود إسرائيل يجب أن تتجاوز نهر الأردن ودمشق في سوريا، معترفاً بأنهم يسعون لتحقيق فكرة «إسرائيل الكبرى». كان قد صرح سابقاً أن منطقة تُسمى فلسطين يجب أن تُمحى من على وجه الأرض، وهذه المرة أيضاً، من خلف منبر في احتفال بباريس، قال إن «الشعب الفلسطيني» ليس موجوداً، وإن هذا التعبير مزيف وتم ابتكاره قبل حوالي 100 عام.
وذكر أن الفلسطينيين الحقيقيين هم عائلته التي وُلدت في القدس في القرن التاسع عشر، وأضاف أن على سكان قصر الإليزيه وقصر الأبيض أن يعرفوا ذلك. واستطرد قائلاً إنهم يسيرون ببطء لتحقيق حدود أرض الميعاد الواردة في التوراة، والتي تشمل حتى تركيا ومصر والعراق والسعودية. أدت تصريحاته إلى ردود فعل من المسؤولين الأردنيين ومسؤولين دوليين آخرين.
في حادثة أخرى، قبل مدة، ظهرت صورة لشارة على زي جندي في جيش الاحتلال، تظهر خريطة إسرائيل الكبرى، مما عزز فكرة أن هذه الرؤية النهائية والرئيسية لقيادات الاحتلال هي تحقيق حدود الأراضي المقدسة المزعومة أو ما يُعرف بـ«إسرائيل الكبرى».
تراجع الإمبراطورية الهولندية
المصادر
.
.
لا يوجد تعليق