استراتيجيات النظام الصهيوني لكسب الشرعية الدولية بعد حرب 1967
بعد النجاح العسكري في حرب الأيام الستة عام 1967، واجه النظام الصهيوني ضغوطًا داخلية وخارجية بشأن قراره بالانسحاب من بعض الأراضي التي احتلها. أدت هذه الحرب إلى استيلاء إسرائيل على قطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان، والضفة الغربية، مما أدى إلى توسيع حدودها بشكل كبير. وفي هذا السياق، بعد انتهاء الحرب، شرعت إسرائيل في مرحلة جديدة من خطتها الشاملة، حيث تبنت عدة استراتيجيات بهدف الحصول على الشرعية الدولية، خصوصًا في مجال تطبيع العلاقات مع الدول العربية. استند هذا النهج إلى الفكرة الأساسية بأن إقامة علاقات دبلوماسية واتفاقيات سلام يعزز مكانة هذا النظام على الساحة الدولية، وبالتالي يهيئ الأرضية لتحقيق أهدافه في مجالات أخرى. فيما يلي سيتم أولًا دراسة الأسباب الرئيسية للانسحاب وما حققته إسرائيل من مكاسب في هذه الخطوة، ثم استعراض عملية متابعة المرحلة الثانية من الصهاينة.
مواجهة الضغوط الدولية: كما ذُكر، في تلك المرحلة كانت هناك ضغوط كبيرة من المجتمع الدولي على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل تحقيق السلام. كانت هذه الضغوط تُنقل عبر القنوات الدبلوماسية، من بينها اقتراح قرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن للأمم المتحدة، والذي أكد على مبدأ «الأرض مقابل السلام».
الاعتبارات الاستراتيجية: كان إبرام اتفاقية سلام مع مصر، خصوصًا بشأن شبه جزيرة سيناء، والتي كانت ذات أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة، أمرًا بالغ الأهمية. توصل قادة النظام إلى أن الحفاظ على منطقة سيناء في ذلك الوقت قد يؤدي إلى صراعات وعدم استقرار مستمرة، مما يقلل من أي فائدة محتملة للسيطرة على تلك الأرض. ويتضح هذا جليًا في اتفاقية السلام مع مصر عام 1979، التي التزمت فيها إسرائيل بإعادة سيناء مقابل اعتراف مصر بها.
تغير في القرارات وأولويات السياسة الداخلية: في إطار التغيرات التي تلت الحرب، أدرك صناع القرار الصهاينة أن احتلال الأراضي الواسعة قد يؤدي إلى توترات غير مستقرة وتحديات ديموغرافية مع الفلسطينيين المقيمين في تلك المناطق، وهو أمر لم يكن مرغوبًا فيه في ذلك الوقت. كما تمحورت الآراء بشكل رئيسي حول أن تكاليف السيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية الطويلة الأمد على هذه المناطق تفوق بكثير الفوائد المرجوة منها.
إنجازات الانسحاب: من خلال الانسحاب من مناطق معينة مثل سيناء، تمكنت إسرائيل من تعزيز موقعها كلاعب رئيسي في المنطقة. في البداية، عززت الحرب الأمن القومي والموقع العسكري للنظام، وكانوا ينوون من خلال هذه الانسحابات المحسوبة تعديل علاقاتهم مع جيرانهم، لا سيما مصر، وبدء مرحلة جديدة من العلاقات عبر توقيع معاهدة سلام رسمية مع هذا البلد، مما أدخل التفاعلات بينهم إلى مستوى جديد تمامًا وفتح أمام صناع القرار المصري مصالح جذابة جديدة. في الواقع، سمحت معاهدات السلام أيضًا لإسرائيل بأن تتصرف بمبادرة أكبر على الساحة الدولية مع اكتساب شرعية مرغوبة.
بشكل عام، تحت تأثير هذه العوامل والدوافع، قاد صناع القرار في النظام الصهيوني جدول أعمال جديد يركز بشكل أكبر على تثبيت وتعزيز الموقع الإقليمي والدولي والحصول على اعتراف كدولة ذات سيادة مستقلة. ومن خلال تحقيق هذا الهدف المهم، لم يغيروا فقط فهم الدول الأخرى لهم، بل مهدوا أيضًا الطريق لتحقيق أهدافهم الكبرى المستقبلية.
مرحلة المرحلة الثانية من إجراءات النظام الصهيوني
الانسحاب الاستراتيجي من المناطق المحتلة وقبول قرار ٢٤٢ للأمم المتحدة: كان قبول قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ أساس الاستراتيجيات الدبلوماسية للنظام الصهيوني؛ وكان هذا يعني الانسحاب من الأراضي المحتلة خلال حرب عام ١٩٦٧. اعتُبر هذا القرار أساس جميع مفاوضات السلام اللاحقة، ومؤشراً على تحوّل المجتمع الدولي نحو تقديم حلول دبلوماسية للنزاع. ورغم أن هذا القرار قلل من حقوق الشعب الفلسطيني بتقليل الموضوع إلى قضايا مثل أزمة اللاجئين، إلا أن أهميته لإسرائيل كانت في متابعة توقيع اتفاقيات سلام مع الدول العربية المجاورة وفق الأولويات التي وضعتها.
مفاوضات اتفاقيات السلام مع الدول العربية: كانت إحدى الاستراتيجيات الرئيسية لإسرائيل لتغيير شكل علاقاتها مع الدول المجاورة هي الاستعداد للانسحاب من الأراضي التي احتلتها خلال حرب ١٩٦٧ مقابل السلام. ظهر هذا النهج جليًا في معاهدة السلام مع مصر؛ حيث وافقت إسرائيل على إعادة شبه جزيرة سيناء مقابل الاعتراف الدبلوماسي بها وتطبيع العلاقات. في الواقع، بدأ مناحيم بيغن، فور انتخابه، مفاوضات السلام مع مصر. وأجبرت الاتفاقية إسرائيل على إزالة المستوطنات التي أقامتها في سيناء منذ ١٩٦٧، وهو إجراء هدفه الظاهر إظهار تغيير كبير في رؤية النظام تجاه العلاقات مع العرب. بناءً على ذلك، ركز الصهاينة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين على توقيع اتفاقيات سلام مع الدول العربية من أجل الحصول على مستوى مقبول من الشرعية.
مرحلة المرحلة الثانية من إجراءات النظام الصهيوني
معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل (1979): مع توقيع هذه المعاهدة بين النظام الصهيوني ومصر، التي تم إنهاؤها بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية والمعروفة أيضًا باتفاقية كامب ديفيد، التزمت إسرائيل بسحب قواتها من شبه جزيرة سيناء. كانت هذه المعاهدة ذات أهمية كبيرة لأنها مثلت اعتراف دولة عربية كبرى بسيادة إسرائيل دون أي شروط مسبقة تتعلق بالقضية الفلسطينية؛ وهو أمر اعتبرته إسرائيل «انتصارًا دبلوماسيًا» لها.
معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل (1994): امتدت جهود الصهاينة الدبلوماسية لتشمل الأردن، وأسفرت عن توقيع معاهدة سلام عززت بشكل أكبر موقع إسرائيل في المنطقة وقبولها من قبل الدول العربية.
الاستفادة من دعم الولايات المتحدة: لعبت الولايات المتحدة دورًا مهمًا وأساسيًا في جهود النظام الصهيوني نحو تطبيع العلاقات وكسب الشرعية الدولية. كانت استراتيجية إسرائيل ترتكز على مواءمة مصالحها وبرامجها مع مصالح الولايات المتحدة، مما عزز في الوقت نفسه الأهداف الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة. قامت الولايات المتحدة في البداية بدعم هذا النظام عسكريًا واقتصاديًا لتقوية أمنه وتثبيته، وفي الوقت نفسه روجت لفكرة تحقيق السلام من خلال تطبيع العلاقات.
لقد قدمت الولايات المتحدة نفسها دائمًا كوسيط رئيسي في اتفاقيات السلام في الشرق الأوسط، وتعتبر مثال كامب ديفيد عام 1978 دليلاً على هذا الادعاء. ومع ذلك، عند التدقيق في دور أمريكا في هذه المعاهدة التي يُشار إليها على أنها انتصار دبلوماسي، نكتشف أن واشنطن، بدلاً من أن تتصرف كحكم محايد، غالبًا ما دفعت سياساتها ومصالحها بما يتماشى مع مصالح إسرائيل. كما يقول رشيد الخالدي: «لقد تصرفت الولايات المتحدة دائمًا كوكيل لإسرائيل وأعطت علنًا أولوية لمخاوف إسرائيل على حساب الحقوق الحقيقية للفلسطينيين في تحقيق الحكم الذاتي وحق تقرير المصير». كان هذا التوافق الاستراتيجي مؤثرًا أيضًا على المبادرات اللاحقة للسلام، حيث أن الدبلوماسية الأمريكية في هذا السياق غالبًا ما أدت إلى تعقيد إجراءات إسرائيل في عملية السلام وإضعاف حقوق الفلسطينيين.
بالإضافة إلى ذلك، هناك آراء نقدية أخرى في هذا الموضوع، مثل التحليلات التي قدمها نصير عاروري، التي تشير إلى أن دور الولايات المتحدة في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يجب أن يوصف بأنه ناقص ومعيب أساسًا، لأنها غالبًا ما ساعدت الصهاينة على القضاء تمامًا على إمكانية التوصل إلى حل متوازن (يصب في صالح الطرف الآخر). مع استمرار التحالف بين أمريكا وإسرائيل، أصبح انحراف وتحول دور واشنطن كوسيط محايد (كما تزعم هي نفسها) أكثر وضوحًا، مما خلق الرواية القائلة بأن الجهود الدبلوماسية الأمريكية، رغم أنها تُعرض على أنها تهدف إلى تحقيق السلام، كانت في الواقع تسير في طريق تعزيز الطموحات الاستراتيجية والإقليمية لإسرائيل. هذا التناقض، حيث تقدم أمريكا نفسها كوسيط وميسر للسلام، لكنها في الواقع تخفي الحقائق المؤلمة والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون ومقاومتهم للاحتلال الصهيوني، أدى إلى إبرام اتفاقيات لم تقدم عمليًا أي فائدة للشعب الفلسطيني، بل فقط استمرت في الحفاظ على الوضع القائم.
الاستفادة من الدبلوماسية العامة والترويج لصورة أمة تسعى للسلام: استخدمت إسرائيل في هذه المرحلة حملة علاقات عامة قوية لتقديم نفسها كأمة تسعى إلى السلام والتسوية. شملت هذه الخطوة سرد قصص تُظهر انسحاب هذا النظام من الأراضي التي احتلها كنوع من بادرة حسن نية، بهدف تحقيق الاستقرار في المنطقة، حتى في الوقت الذي كانت توسع فيه مستوطناتها في تلك الأراضي في ذات الوقت. كان انسحاب إسرائيل من الأراضي، وخاصة سيناء، ليس فقط قرارًا عمليًا لتخفيف التوترات العسكرية، بل كان أيضًا خطوة استراتيجية لكسب الشرعية على الصعيد الدولي. أتاح مسار مفاوضات السلام لإسرائيل الفرصة لتُظهر نفسها كدولة تضحي من أجل السلام وتتخلى عن مصالحها، مما عزز شرعيتها بشكل مضاعف. تم متابعة هذه السياسة بوتيرة أسرع نظرًا للعلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تحولت إسرائيل من خلال نجاحاتها العسكرية السابقة إلى شريك وحليف استراتيجي هام لواشنطن؛ شريك يجمع بين الردع العسكري وحوارات دبلوماسية متزنة.
المشاركة في المجامع الدولية: في هذه الفترة، سعت إسرائيل بنشاط للتفاعل مع المجامع العالمية واستخدام خطط السلام لتحقيق هدفها في تقديم نفسها كشريك يمكن الوثوق به؛ شريك دائم الرغبة في التعاون والمشاركة في مجالات متعددة، بما في ذلك مفاوضات السلام. شملت هذه التكتيكات المشاركة في المناقشات والحوار متعدد الأطراف، من بينها ما يتعلق بـ «اتفاقية أوسلو»، التي أدت إلى الاعتراف بـ «منظمة التحرير الفلسطينية» ولفترة طويلة، أضفت بشكل غير مباشر بعض مطالب الفلسطينيين إطارًا دوليًا.
الاستفادة من استراتيجية تطبيع العلاقات مع العرب بشكل مستمر: لم تتخلّ إسرائيل عن حيلة تقديم عروض السلام للدول العربية وتطبيع العلاقات معها مقابل الحصول على مزايا، مثل الاعتراف وتقوية العلاقات الدبلوماسية. يمثل «مبادرة السلام العربية» لعام 2002، التي طالبت بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة مقابل تطبيع العلاقات مع «جامعة الدول العربية»، انعكاسًا لهذه الاستراتيجية المستمرة للصهاينة في السعي للمشروعية عبر عروض ومفاوضات السلام، وفي نفس الوقت استمرار الأفعال الاحتلالية في فلسطين.
استخدام القانون الدولي: كان هدف الصهاينة هو أن ينفذوا أعمالهم ضمن إطار معايير القانون الدولي، لا سيما فيما يتعلق باتفاقية أوسلو. في الواقع، كان القادة الإسرائيليون يسعون إلى عرض سياساتهم متوافقة مع المعايير الدولية، واستخدام اللغة والأطر القانونية لتأكيد مطالبهم وإثبات شرعيتهم.
من خلال تبني هذه الاستراتيجيات، لم تقتصر إسرائيل على تثبيت مطالبها الإقليمية في فلسطين فحسب، بل استطاعت أيضًا خلق سرد جديد يغير موقعها من جهة معتدية إلى دولة مستقلة تلتزم بالقانون وتسعى للسلام والاعتراف، خاصة في منطقة محاطة بدول معادية. مزيج من المفاوضات الدبلوماسية، الاعتماد على الدعم والمساعدات الأمريكية، الإجراءات الخادعة في مجال الدبلوماسية العامة، المشاركة في الحوارات الدولية، والاستغلال القانوني لعب دورًا هامًا في تشكيل المسار الذي تتبعه إسرائيل في المرحلة التالية من نشاطها.
القوة السياسية اليهودية والنفوذ الدولي
لا يوجد تعليق