32 scaled

خطة عوديد ينون واستمرار مسار الطموحات التاريخية للصهاينة

خطة عوديد ينون، التي قدّمها في مقال له عام 1982 بعنوان "استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات"، تطرح رؤية مثيرة للجدل لمسار إسرائيل المستقبلي، خصوصاً في مجال طموحاتها الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لقد أصبح هذا الوثيقة منذ وقت طويل حجر الزاوية في النقاشات حول سياسة إسرائيل الخارجية، وكان التوصية الرئيسية فيها أن على الكيان الصهيوني، من أجل ضمان بقائه وهيمنته في المنطقة، أن يعتمد استراتيجية تفكيك وتقسيم الدول القوية كخطة عمل رئيسية.

پروژه ینون

مبادئ وعملية خطة ينون

بلقنة الدول العربية

يشير مفهوم “البلقنة” إلى تقسيم الدول إلى مناطق أصغر، غالبًا على أساس عرقي أو طائفي. واحدة من أهم مبادئ خطة ينون هي تفكيك وتمزيق الدول العربية المحيطة بإسرائيل إلى كيانات سياسية أو عرقية أو دينية أصغر. كان ينون يعتقد أن مثل هذه التقسيمات تُضعف هذه الدول وتجعلها غير قادرة على مواجهة المصالح الإسرائيلية أو الوقوف في وجه إملاءاتها. من وجهة نظره، يجب أن تُقسم دول مثل العراق إلى أراضٍ منفصلة وصغيرة لإقامة كيانات للأكراد، والشيعة، والسنة، بحيث تتحول إلى دول تابعة أضعف يمكن التلاعب بها بسهولة أكبر ودرجة أعلى من الأمان بما يخدم السياسات والاستراتيجيات الصهيونية. وقد جرى تحليل هذا النهج على نطاق واسع منذ نشأة إسرائيل في مقالات عوديد ينون وغيره من الاستراتيجيين الصهاينة، مع تأكيد كبير عليه.
وبناءً على ما ورد في خطة ينون، فإنّ تفكك الدول العربية القوية والموحدة لا يُعدّ فقط من مصلحة الكيان الصهيوني، بل يُعتبر شرطاً أساسياً لإنشاء “إسرائيل الكبرى”. وفي هذا السياق، تم طرح تقسيم العراق بشكل خاص إلى دولة شيعية مستقلة، ودولة سنية، ومنطقة كردية – وهو ما يدل على أن أهداف الخطة في مجال بلقنة الدول كانت عملية بالكامل وجاءت بناءً على تقييمات دقيقة مسبقة. وكانت حجة الصهاينة أن هذا التشظي سيمكّن إسرائيل من تقليل التهديدات الناتجة عن القومية العربية الموحدة التي قد تشكّل ردّ فعل على سياسات إسرائيل. ويؤيد أنصار فكرة البلقنة حالة عدم الاستقرار المستمرة في المنطقة بهدف تدمير النواة الأساسية لتشكيل دول مستقرة وموحدة، ويرى قادة إسرائيل أن هذه الفكرة تخدم أُطرهم الجيوسياسية والأمنية.

تجزیه کشورهای اسلامی
سران کشورهای اسلامی

الخلفية التاريخية لتنفيذ استراتيجية البلقنة

لفهم الخلفيات التاريخية لطرح وتنفيذ سياسة البلقنة، يجب أن نُولي الاهتمام للإرث الاستعماري وتدخلات القوى الدولية التي على مدار قرن تقريبًا قامت بتغيير الجغرافيا السياسية والقوى الفاعلة في الشرق الأوسط.
أدى انهيار الإمبراطورية العثمانية وما تلاه من إنشاء حدود وطنية جديدة فُرضت من قبل القوى الاستعمارية، وخاصة بريطانيا وفرنسا، إلى نشوء دول مصطنعة غالبًا ما تضم مجتمعات عرقية وطائفية وتكتلات مختلفة.
وقد وفّرت هذه الحدود الاعتباطية نواة للتوترات والصراعات الداخلية بين دول المنطقة، والتي تفاقمت بفعل التخطيط وتنفيذ البرامج الأحدث من قبل القوى الخارجية، حيث استُخدمت هذه التقسيمات بشكل مستمر لمتابعة وحماية مصالحهم الاستراتيجية. غالبًا ما ظهرت هذه التدخلات في صورة دعم للفصائل المحلية أو حروب بالوكالة، كما هو واضح في النزاعات في ليبيا والعراق وسوريا؛ وقد ساهمت هذه الإجراءات جميعها في دعم وتطبيق وثيقة عوديد ينون. فعلى سبيل المثال، تُظهر النزاعات في سوريا بوضوح كيف يمكن للقوى الخارجية، في سعيها لتحقيق أهدافها الجيوسياسية، أن تؤدي إلى التفكك الاجتماعي والأزمات العرقية والدينية، ولا يرى هؤلاء في ذلك سوى مشهد لمنطقة مفككة ومجزأة يسهل السيطرة عليها.

تحويل إسرائيل إلى قوة مهيمنة في المنطقة

شدد ينون على أن الكيان الصهيوني، من أجل البقاء، يجب أن يُرسّخ مكانته كقوة مهيمنة وعليا في منطقة الشرق الأوسط. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، أوصى في خطته بما يلي: «إنّ إنشاء شبكة من الدول المحيطة بإسرائيل، والتي تتماشى جميعها مع مصالحها، أمر بالغ الأهمية لتحقيق هذا الهدف».ومن وجهة نظره، فإن هذا النموذج لا يضمن أمن إسرائيل فحسب، بل يرسّخ موقعها من خلال استخدام هذه الدول التابعة لها.

سران یهود
پرچم اسرائیل

إنشاء تحالف مع الدول المتماشية مع أهداف الصهاينة

الاستراتيجية الأخرى المُقدمة في خطة عوديد ينون تؤكد على إنشاء دول حليفة حول “إسرائيل” كأداة لزيادة السيطرة والأمن الإقليمي لهذا الكيان. كان ينون يرى أنّه من أجل ضمان البقاء، يجب على “إسرائيل” أن تعيد بناء بيئتها الجيوسياسية وإعادة تنظيمها بصفتها قوة إقليمية. تتضمن هذه الاستراتيجية إنشاء دول جوار جديدة من بين الدول الطائفية الأصغر الناتجة عن تفكك الدول الموحدة السابقة، والتي يُحتمل أن تخضع سياسياً وسلوكياً لإسرائيل. في هذا السياق، يتم إنشاء شبكة من الدول الحليفة توفر الشرعية الأخلاقية والاستراتيجية اللازمة لأفعال “إسرائيل”.

ويُعتبر تفكيك الدول الأقوى والمتعددة الأعراق خطوة أولى حاسمة في تنفيذ هذه الاستراتيجية، إذ يُتيح لـ”إسرائيل” النفوذ على هذه الكيانات المُنشأة حديثاً، والتي قد تشمل أجزاء من لبنان، والأردن، وسوريا، بل وحتى مناطق من العراق والمملكة العربية السعودية. ووفقاً لرأي جوناثان كوك في كتابه “إسرائيل وصدام الحضارات”، فقد نوقشت هذه الاستراتيجية في سياق سرد أوسع حول التحولات الإقليمية التي تتم عبر التدخلات الخارجية (لا سيما من قبل الولايات المتحدة). ويُعزز هذا الكتاب فكرة أنّ انهيار دول الشرق الأوسط ليس مجرد افتراض نظري أو اقتراح نظري من منظّر ما، بل يُعدّ جزءاً من استراتيجية كبرى نشطة في الساحة الجيوسياسية، بدعم من الإيديولوجيات المحافظة الجديدة. يُشير كوك إلى أنّ هذه التدخلات، خصوصاً غزو الولايات المتحدة للعراق، تُساعد على تنفيذ استراتيجية “التفكيك” المتوقعة، إلى جانب تعزيز آفاق توسيع الحدود ونفوذ “إسرائيل” في المنطقة، مما يُمهّد في نهاية المطاف لضم أراضٍ أوسع وطرد جميع السكان الفلسطينيين. بالتالي، فإنّ استراتيجية البلقنة تسعى لتحقيق هدفين مزدوجين: تعزيز أمن “إسرائيل”، وفي الوقت نفسه تمكينها من فرض النفوذ على منطقة مجزأة ومقسّمة بشدة. من جهة أخرى، رأى ينون أنّ إعادة تشكيل الدول المجاورة تخلق فرصاً لترحيل الفلسطينيين، وتُضعف عملياً طموحهم في إقامة دولة ذات سيادة. ويجب الانتباه إلى هذه النقطة. فخطة ينون، من خلال تبنّي سياسات تُضعف أو تُفكك الدول المجاورة، لا تكتفي بتجاهل حق الفلسطينيين في تقرير المصير، بل تُعارضه بنشاط ودوام، وتُقوّض بشكل متزايد إمكانية تحقيقه. وتُظهر هذه التكتيكات النمط الدائم في سياسات “إسرائيل” التي تسعى باستمرار إلى إضعاف استقرار جيرانها، بينما تُعزز سلطتها ونفوذها.

النسخة الجديدة من الطموحات التاريخية للصهاينة

من الجدير بالذكر أنّ هذه الخطة تنبع من سردية تاريخية أوسع، تعود جذورها إلى الطموحات الأولى للصهاينة خلال انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتحمل مضموناً قديماً في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي. وقد صُمِّمت هذه الخطة بالكامل بالتوازي مع طموحات شخصيات مثل تيودور هرتزل، وتُظهر أنّ فكرة “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات” كانت تُتبع كنموذج دائم ومستمر في الإيديولوجيا الصهيونية. وبالمثل، فإنّ حلم وخطة “إسرائيل الكبرى”، التي أُشير إليها في أجزاء من خطة ينون، لها تاريخ طويل من التأثير على الإيديولوجيا الصهيونية والاستراتيجيات العسكرية للكيان، وقد كانت حاضرة بوضوح في كل السياسات والاستراتيجيات الإسرائيلية منذ أوائل القرن العشرين. هذه الاستراتيجية الكبرى لا تقتصر فقط على المطالب الإقليمية، بل تسعى أيضاً، في طريق تحقيقها، إلى تمزيق الدول العربية المجاورة إلى وحدات عرقية وطائفية أصغر، لتمكين “إسرائيل” من السيطرة عليها بشكل أسهل. يمكن التعبير عن هذا الأمر بالقول إنّ تأثير أفكار رواد الحركة الصهيونية ظل محفوظاً على مدار العقود الماضية في كل تصرفات هذا الكيان، والمحور المركزي لكل هذه التصرفات هو أنّ “إسرائيل” يجب أن تتحوّل إلى قوة إقليمية مهيمنة بلا منازع. وبشكل عام، يجب الإشارة إلى أنّ هذه الخطة تنبع من استراتيجيات سابقة للصهاينة، كانت تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي للشرق الأوسط؛ وهي تُظهر التزاماً إيديولوجياً بإنشاء وتوسيع دولة يهودية بالكامل من قبلهم. في كتاب “الإرهاب المقدس الإسرائيلي”، مع مقدمة كتبها نعوم تشومسكي، تمّ تناول الخلفية التاريخية لهذه الاستراتيجية الخاصة بالكيان الصهيوني، وقد أوضح الكتاب كيف لعب مفهوم “الإرهاب المقدس” دوراً محورياً في تشكيل السياسات الوطنية الإسرائيلية، بما في ذلك خطة عوديد ينون. وفي هذا السياق، على سبيل المثال، يرى قادة صهاينة مثل موشيه شاريت أنّ استخدام الوسائل العنيفة لإقامة دولة يهودية أمر مبرَّر تماماً ومنطقياً، ويجب في هذا المسار إنشاء حكومة تعتمد على مبادئ وسياسات تُهمّش المجتمعات العربية، وتُقدّم العمليات العسكرية الهجومية كأولوية لنشاطاتها. يتناول الكاتب في هذا الكتاب نقد الإشكاليات الأخلاقية لهذه الإجراءات، ويؤكد كيف أنّ الفكر الصهيوني، منذ البداية، ومع استناده إلى رؤية توسعية واستعمارية، مهّد الطريق للاستراتيجيات اللاحقة التي تهدف إلى زعزعة استقرار الدول العربية المجاورة.

کتاب تروریسم مقدس اسرائیل

التعاون والتنسيق مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة

غالبًا ما تُناقش استراتيجيات ينون في إطار تنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. إنّ توافق مصالح الولايات المتحدة مع مخططات واستراتيجيات هذه الخطة، في مسار بلقنة دول المنطقة، يُظهر أنّ التدخلات الأمريكية، خصوصاً في العراق وليبيا، لم تكن عشوائية على الإطلاق، بل كانت جزءاً من تعاون أوسع، ومرتبطة استراتيجياً بأهداف “إسرائيل”.

روابط آمریکا و اسرائیل
بایدن و نتانیاهو

مكانة خطة ينون في الاستراتيجية الكبرى لإسرائيل

على الرغم من ادعاءات ينون بأنّ أفكاره بشأن الأحداث في الساحة الجيوسياسية غير قابلة للتنفيذ عملياً، فإنّ العديد من الباحثين يرون أنّ موضوعات مقاله أثّرت بشكل ملحوظ في السياسات الإسرائيلية على مدى عدة عقود. إنّ قرارات قادة الكيان الصهيوني في المجالات العسكرية والسياسية المختلفة تتماشى تماماً مع المبادئ المطروحة في خطة ينون.5

نبذة مختصرة عن عوديد ينون

وُلِد عوديد ينون في منتصف ثلاثينات القرن العشرين في عائلة يهودية في فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني. كان بالأساس صحفياً وكاتباً يهودياً، وتركّزت معظم نشاطاته على القضايا المتعلقة بأهداف وأيديولوجية الصهيونية والأمن القومي الإسرائيلي. كما شغل ينون منصب مستشار رفيع في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ما أتاح له الوصول إلى معلومات ورؤية خاصة ساعدته في صياغة الفكر الاستراتيجي تجاه الشرق الأوسط. بشكل عام، ركزت كتاباته على مجالين رئيسيين: التحديات الأمنية الفورية، والرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد للكيان الصهيوني، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة التكيّف مع التحولات الجيوسياسية الإقليمية. ورغم أنّ فكرة بلقنة دول المنطقة، كما وردت في خطة ينون، أثارت جدلاً واسعاً، إلا أن اسمه يُطرح غالباً كمُنظّر في هذا المجال أكثر من كونه مسؤولاً تنفيذياً في الحكومة الصهيونية؛ فهو مُنظّر تُستَخدم أفكاره وآراؤه في إطار واسع من الاستراتيجيات التي تتبنّاها مختلف التيارات السياسية البارزة في “إسرائيل”. وهذا ما يستدعي النظر في علاقته مع قادة “إسرائيل”، وخاصة أريئيل شارون.

أريئيل شارون وخطة عوديد ينون

إنّ التوجه الاستراتيجي العام لأريئيل شارون، أحد الشخصيات البارزة والمهمة في البنية السياسية للكيان الصهيوني، والذي شغل آنذاك منصب رئيس وزراء "إسرائيل"، وكان معروفاً باتباعه لاستراتيجيات عسكرية هجومية وسياسات توسعية، يتماشى إلى حد كبير مع الأهداف الواردة في خطة ينون، خصوصاً في إدارته للعلاقات مع الدول العربية المجاورة.

آریل شارون

فلسفة شارون العسكرية

تُظهر فلسفة شارون العسكرية خلال النزاعات الحاسمة للكيان الصهيوني، ومنها حرب يوم الغفران (يوم كيپور) ومشاركته في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية، اعتقاده الراسخ بالاستراتيجيات الهجومية الاستباقية لضمان أمن “إسرائيل” كما ورد في خطة ينون. بعبارة أخرى، كانت مقاربته العسكرية متوافقة تماماً مع الاستراتيجية الكبرى ليينون التي تقوم على زعزعة استقرار الدول المجاورة لكبح التهديدات التي تشكلها.

التحرك وفقاً لمبادئ ينون

على الرغم من أن العقيدة السياسية لشارون لا تشير صراحةً إلى خطة ينون، إلا أن المواضيع والأجزاء المتعلقة بـ«تهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ العمليات العسكرية للكيان الصهيوني في لبنان» وأجزاء أخرى، بُنيت على أفكار خطة عوديد ينون بهدف «إعادة تشكيل الشرق الأوسط». تُفسر سياسات شارون، لا سيما في التعامل مع المناطق الفلسطينية ودوره في الانتفاضة الثانية، على أنها جزء من هذا المسار الذي يؤكد أن على "إسرائيل" أن تتصرف بحزم لتشكيل البيئة الإقليمية وفق رؤيتها.

شارون و بایدن

التوافق الفكري مع المحافظين الجدد

ظهر الفكر المحافظ الجديد في الولايات المتحدة في أواخر القرن العشرين، والذي كان غالبًا ما يدعم تغيير الأنظمة في الدول العربية، مما يدل على وجود أرضية أيديولوجية مشتركة مع وجهات نظر عوديد ينون. وجد القادة الإسرائيليون، مثل شارون، نصفهم الضائع في هذا التصور العالمي، الذي عزز استمرار التوسع الإسرائيلي ضمن إطار التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

في الواقع، كانت استراتيجية تفكيك النظام الصهيوني كوسيلة لضمان بقائه في مواجهة التحديات الجيوسياسية الإقليمية تتكرر دائمًا. ترتبط هذه الاستراتيجية جوهريًا بهدف إسرائيل في توسيع حدودها ونفوذها، لا سيما في مواجهة تهديدات الدول المجاورة مثل العراق، إيران، والأردن. كما دعا ينون إلى إضعاف منهجي للدول القومية العربية. وكان يعتبر إنشاء دول طائفية صغيرة وسيلة لإنشاء منطقة عازلة يستطيع من خلالها “إسرائيل” التحكم في جيرانها وفي الوقت نفسه نشر حالة عدم الاستقرار في تلك الدول. وقد تركزت الاستراتيجية بشكل خاص على العراق كدراسة حالة في خطة ينون، حيث أدت غزوة عام 2003 التي قادتها الولايات المتحدة إلى فوضى وصراعات طائفية ودينية حادة، متماشية مع الأهداف الواردة في تحليل ينون. بالفعل، يمكن الاستنتاج أن السياسة الخارجية الأمريكية تحت تأثير أيديولوجيات المحافظين الجدد غالبًا ما تتماشى مع تطلعات وأهداف “إسرائيل” للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وتعمل على تصعيد الصراعات بدلاً من حلها.

سبب نشر الوثائق السرية الصهيونية علنًا في تلك الفترة الزمنية

في كتاب «إسرائيل وصدام الحضارات» للكاتب جوناثان كوك، ورد أن قادة النظام الصهيوني كانوا في البداية يعتقدون أنه بسبب الحواجز اللغوية بينهم وبين الشعوب الأخرى، يمكنهم العمل تحت ستار سوء الفهم أو سوء التفسير لنواياهم وأهدافهم الحقيقية. لعب هذا الاعتقاد دورًا مهمًا في كيفية صياغة ونشر استراتيجيات إسرائيل. في الواقع، بما أن الوثائق الأمنية الوطنية الرئيسية والخطط الاستراتيجية، مثل خطة عوديد ينون لعام 1982، نُشرت علنًا، فقد صُممت هذه الخطط على افتراض أن معارضيهم، وخاصة في العالم العربي، لن يفهموا بالكامل تداعيات أو الأهداف الحقيقية وراء هذه السياسات.

کان هذا الثقة الزائدة تدفعهم إلى افتراض أن التعقيدات اللغوية في اللغة العبرية غير قابلة للفهم من قبل من لا يملكون خلفية لغوية أو ثقافية مشتركة، مما مكن قادة النظام الصهيوني من تنفيذ هذه البرامج بأقل مقاومة أو حتى بفهم ضئيل من قبل جيرانهم. علاوة على ذلك، يعكس هذا النهج نموذجًا أوسع في التفكير الاستراتيجي الصهيوني الذي يركز على تفتيت وتجزئة الدول العربية المحيطة بإسرائيل، وهو أمر واضح في كتابات ينون أيضًا. في الحقيقة، كان قادة إسرائيل يسعون من خلال تقديم هذه الاستراتيجيات الكبرى بصيغ متعددة التفسير إلى دفع طموحاتهم التوسعية تحت غطاء «مخاوف أمنية مشروعة». وكانت توقعاتهم أن العالم العربي، الذي كان من قبل مشغولًا بمشاكله الداخلية، سيظل مرتبكًا وسلبيًا بدلاً من أن يتصدى بنشاط للرواية الصهيونية الملفقة. ولم يكن هذا التصور مبنيًا فقط على تعقيدات الجغرافيا السياسية الداخلية للمنطقة، بل أيضًا على التحديات التي تواجه الدول المجاورة في صياغة استراتيجيات متماسكة للرد على التهديدات الوجودية.

استراتيجيات الولايات المتحدة وإسرائيل لزعزعة استقرار إيران

 

منابع