يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة من التنافس على الموارد المائية. يعيش أكثر من 2.4 مليار شخص في مناطقيعانون من إجهاد مائي شديد، وتشير التوقعات إلى أن هذا العدد سيتجاوز 5 مليارات بحلول عام 2050. لقد أصبحت الأنهار العابرة للحدود، التي توفر المياه لأكثر من 40% من سكان العالم، بؤرًا للنزاعات. وفي ظل غياب أطر قانونية ملزمة ومؤسسات تنفيذية عالمية قوية، لا تهدد هذه النزاعات الأمن الغذائي والطاقة فحسب، بل تحمل أيضًا قابلية التحول إلى أزمات جيوسياسية أوسع.
نزاعات المياه في المناطق الرئيسية من العالم
لفهم أعمق لطبيعة المشكلة، نعرض هنا بعضًا من أبرز النزاعات، بينما توجد في الوقت نفسه توترات لا تُحصى بين دول متجاورة حول العالم تشعل أحيانًا شرارات تهدد السلام العالمي:
- دجلة والفرات: تحدث النزاعات المائية غالبًا في أحواض الأنهار العابرة للحدود التي تشمل عدة دول. في الشرق الأوسط، يشكل حوض دجلة والفرات بين تركيا وسوريا والعراق بؤرة توتر مستمرة منذ عقود. فقد أدى بناء أكثر من 22 سدًا كبيرًا في تركيا خلال العقود الأخيرة إلى تقليل تدفق المياه نحو دول المصب بشكل ملحوظ، ما تسبب في نقص حاد في العراق وسوريا.
- نهر السند: في شبه القارة الهندية، يُعد حوض نهر السند بين الهند وباكستان أحد أكثر القضايا حساسية. خلال عامي 2024–2025، قامت الهند عدة مرات بتقليل تدفق المياه، وهو ما اعتبرته باكستان خرقًا لمعاهدة مياه السند لعام 1960. وقد دفعت هذه التوترات البلدين إلى حافة صراع عسكري، exacerbated by climate change and population growth.
- نهر النيل: في إفريقيا، أصبح حوض النيل من أكثر الملفات المائية تعقيدًا بسبب سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD). تخشى مصر والسودان انخفاض تدفق المياه، بينما تؤكد إثيوبيا حقها في التنمية. وحتى الآن، لم تُسفر المفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي عن اتفاق ملزم.
- نهر ريو غراندي: في أميركا اللاتينية، يواجه حوض نهر ريو غراندي بين الولايات المتحدة والمكسيك موجات جفاف متكررة وتراجعًا في الالتزامات المائية. وتمثل هذه الحالات نمطًا عالميًا يتسم بتزايد الطلب وتراجع الموارد وتغير المناخ، ما يدفع المنافسة نحو مزيد من التصعيد.


قيود الإطار القانوني الدولي للمياه
تعتمد حوكمة المياه العالمية بشكل أساسي على وثيقتين رئيسيتين: اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1992 بشأن حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية. ومع ذلك، لم تصدّق سوى نحو 40 دولة على اتفاقية 1997، بينما لا تزال العديد من الدول الرئيسية في الأحواض الحساسة (مثل تركيا والهند والصين وإثيوبيا) خارج عضويتها.
تؤكد هذه الاتفاقيات على مبدأي «الاستخدام المنصف والمعقول» و«عدم التسبب في ضرر ذي شأن»، لكنها تفتقر إلى آليات تنفيذ ملزمة وهيئة تحكيم مستقلة. كما أن المياه الجوفية العابرة للحدود (الخزانات الجوفية) ما زالت إلى حد كبير خارج نطاق التغطية القانونية الشاملة؛ إذ لا توجد سوى ست اتفاقيات ثنائية ملزمة لتنظيم الخزانات الجوفية المشتركة، رغم تحديد أكثر من 600 خزان جوفي عابر للحدود في العالم.
في السنوات الأخيرة، تزايدت الهجمات السيبرانية على البنية التحتية للمياه في بعض الدول (بما في ذلك حالات أُبلغ عنها في الولايات المتحدة وإسرائيل)، إلا أن القانون الدولي الحالي لا يزال غير مهيأ للتعامل مع هذه التهديدات الناشئة. وقد دفعت هذه الثغرات الدول إلى اللجوء إلى اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف محدودة، لكن من دون إطار عالمي شامل، لا يمكن ضمان العدالة والاستدامة.
البيانات العالمية حول التوترات المائية وتراجع الموارد
يشير تقرير الأمم المتحدة لتنمية المياه في العالم (2025) إلى أن العالم يفقد سنويًا نحو 324 مليار متر مكعب من المياه العذبة، وهو ما يعادل الاحتياجات السنوية لنحو 280 مليون شخص. كما أن أكثر من 50٪ من البحيرات الكبرى في العالم فقدت جزءًا من حجمها منذ تسعينيات القرن الماضي.
وقد سجل معهد باسيفيك أكثر من 420 حدثًا مرتبطًا بالنزاعات المائية في عام 2024، بزيادة قدرها 165٪ مقارنة بعام 2000. وفي عام 2025 وصف معهد جامعة الأمم المتحدة العالم بأنه دخل «عصر الإفلاس المائي»؛ إذ إن 70٪ من الخزانات الجوفية الرئيسية في حالة تراجع، وقد تعرض العديد منها لأضرار غير قابلة للعكس.
يوفر مفهوم التجارة بالمياه الافتراضية نحو 475 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، ومع ذلك لا تزال العديد من الدول الجافة تصدر منتجات شديدة الاستهلاك للمياه. وتشير هذه البيانات إلى تزايد الضغط على الموارد المائية، وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات ما لم يتم اتخاذ تدخلات هيكلية.


آفاق حوكمة المياه في عالم متعدد الأقطاب
إن النزاعات المائية حول العالم، من حوض النيل إلى السند ودجلة–الفرات، هي نتيجة مزيج من ندرة الموارد وتغير المناخ وضعف الأطر القانونية الدولية. وتشير بيانات عام 2025 إلى دخول العالم في مرحلة إفلاس مائي عالمي، إلى جانب زيادة كبيرة في الأحداث المرتبطة بالتوترات. إن تعزيز الاتفاقيات متعددة الأطراف، والاستثمار في تقنيات توفير المياه، وتحسين آليات التحكيم يمكن أن يسهم في إدارة هذه التوترات. ويمكن الاستفادة من هذه الأنماط في النظام العالمي الجديد لمساعدة صانعي السياسات في إعادة مراجعة الهياكل الإدارية والقدرات الدبلوماسية وأطر التعاون عبر الحدود.
دراسة أبعاد تراجع النظام العالمي الليبرالي
المراجع
.
.
.
https://www.oecd.org/en/
.
.
.
.
.
.
https://www.ohchr.org/en/
https://cwrrr.org/opinions/


لا يوجد تعليق