في الشرق الأوسط، مطار ميزانيات الدفاع الأمريكية

المساعدات العسكرية الكبيرة التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل والتي تجاوزت 17.9 مليار دولار منذ أكتوبر 2023، تفوق بكثير ميزانية إيران العسكرية لعام 2024 والتي تُقدر بحوالي 7.9 مليار دولار. في الواقع، فقط خلال الفترة من أكتوبر 2023 حتى الآن، فاق هذا المبلغ ضعف الميزانية العسكرية الكاملة لإيران.

بالإضافة إلى ذلك، تجاوزت التكاليف التراكمية للحروب التي شنتها أمريكا في الشرق الأوسط منذ عام 2001 أكثر من 8 تريليونات دولار، وهو ما يعادل 500 ضعف ميزانية إيران في المنطقة. هذا الرقم، حسب ما ذكر دونالد ترامب، الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة بين 2017 و2021، كان 16 مليار دولار. هذا الفارق الكبير لا يعكس فقط الأولويات الاستراتيجية لأمريكا، بل هو أيضاً انعكاس لتأثير القوى الأيديولوجية والسياسية داخل الولايات المتحدة، لا سيما الالتزام الطويل الأمد بأهداف الصهيونية ودور السياسيين المحافظين الجدد المتناغمين مع اللوبيات الصهيونية. هذه الأرقام الغريبة، رغم أن أمريكا تعاني من مشاكل مالية واقتصادية داخلية، تُظهر التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل والحفاظ على هيمنتها الإقليمية.

يقدم موقع “نظمي نو” ضمن دراسته لمساعدات أمريكا العسكرية لإسرائيل مقارنة بميزانية إيران العسكرية دليلاً على أن هذه المساعدات تستند بشكل رئيسي إلى التزام عميق بأهداف الصهيونية وتأثير صانعي القرار النيو-كون وحركات اللوبي المؤيدة لإسرائيل. تُجري هذه المقالة تحليلاً شاملاً مبنياً على الأدلة والوثائق، باستخدام مصادر موثوقة ومتنوعة تشمل تقارير جامعية، وثائق حكومية، تقارير مراكز فكرية دولية ومجلات معروفة، لتوضيح هذا الغموض. يوضح هذا التحليل، عبر مقارنة مساعدات أمريكا العسكرية لإسرائيل، وميزانية إيران العسكرية، وتكاليف حروب أمريكا في الشرق الأوسط، جذور وحجم وآثار وتبعات هذه النفقات.

مقیاس وأبعاد المساعدة العسكرية الأمريكية لإسرائيل

منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، قدمت الولايات المتحدة حوالي 318 مليار دولار (بعد تعديلها وفقًا لمعدل التضخم) لهذا النظام، وكانت هذه المساعدات في العقود الأخيرة في الغالب على شكل مساعدات عسكرية. ويُظهر اتفاق الأمن بين الطرفين عام 2016 التزام أمريكا بتقديم 38 مليار دولار كمساعدات إضافية على مدى عشر سنوات (2019 إلى 2028)، بمتوسط 3.8 مليار دولار سنويًا. تُستخدم هذه المساعدات بشكل رئيسي كتمويل عسكري أجنبي (FMF) لشراء أسلحة أمريكية متقدمة مثل مقاتلات F-35 وأنظمة الدفاع الصاروخي مثل “القبة الحديدية”.

بعد 7 أكتوبر 2023، زادت المساعدات الأمريكية بشكل ملحوظ؛ حيث تم تخصيص 17.9 مليار دولار لهذا الغرض حتى سبتمبر 2024، وفي مارس 2025 أقرّت إدارة ترامب 4 مليارات دولار إضافية بشكل فوري لدعم النظام الصهيوني. من هذا المجموع، تم إنفاق 5.2 مليار دولار على أنظمة الدفاع الصاروخي و3.5 مليار دولار على مشتريات حربية، ما تجاوز بشكل ملحوظ المتوسطات السابقة، وأظهر التزام واشنطن المتزايد بأمن إسرائيل وتعزيز سيطرتها الإقليمية.

مقیاس و ابعاد کمک نظامی آمریکا به اسرائیل

المساعدات العسكرية الهائلة لإسرائيل

بشكل عام، منذ عام 1948، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 260 مليار دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية لإسرائيل، وكان التركيز في العقود الأخيرة منصبًا بشكل خاص على المساعدات العسكرية. كما ذُكر سابقًا، في السنة المالية التي أعقبت 7 أكتوبر 2023، بلغت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل 17.9 مليار دولار، وهو مبلغ تجاوز الالتزام السنوي البالغ 3.8 مليار دولار ضمن مذكرة التفاهم لعام 2016 (في عهد أوباما).

تضمّنت هذه الحزمة الخاصة للمساعدة 3.3 مليار دولار في إطار التمويل العسكري الخارجي (FMF)، و500 مليون دولار لأنظمة الدفاع الصاروخي مثل القبة الحديدية و”آرو”، إضافة إلى حزمة تكميلية بقيمة 14.1 مليار دولار لتأمين الذخائر، بما في ذلك قذائف المدفعية والقنابل الموجهة بدقة. كما شملت الحزمة نشر نظام الدفاع الصاروخي “ثاد” وسط تصاعد المواجهات مع حماس وحزب الله وإيران. يعكس هذا الارتفاع اللافت التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل وضمان تفوقها التكنولوجي على أعدائها الإقليميين.

کمک‌های نظامی آمریکا به اسرائیل از 1950 تا 2024 طبق برآوردهای پروژه هزینه‌های جنگ
حجم بسیار زیاد کمک های نظامی آمریکا به اسرائیل از سال 1970 تا 2024

تفاصيل المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل منذ أكتوبر 2023:

التصنيف

المبلغ (بالدولار)

تفاصيل المساعدات

التمويل العسكري الخارجي (FMF)

3.3 مليار

مساعدات سنوية لتزويد إسرائيل بالسلاح

الدفاع الصاروخي

500 مليون

تمويل أنظمة القبة الحديدية و”آرو” و”مقلاع داوود”

المساعدات التكميلية (2024)

14.1 مليار

توفير الذخائر، بما في ذلك قنابل خارقة للتحصينات بوزن 2000 رطل وقنابل موجهة بدقة

المساعدة الفورية

4 مليار

دعم عاجل للاحتياجات الدفاعية الإسرائيلية

میزان کمک و فروش نظامی آمریکا به اسرائیل در مقایسه با سایر کشورها در منطقه خاورمیانه در بین سال های 2015 تا 2019

الميزانية العسكرية لإيران مقارنة بإسرائيل

في المقابل، فإن النفقات العسكرية الإيرانية أقل بكثير. ووفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، وهو المصدر الأكثر موثوقية لتقدير الإنفاق العسكري في العالم، بلغت النفقات الدفاعية لإيران في عام 2024 نحو 7.9 مليار دولار، أي بانخفاض حوالي 10٪ مقارنة بعام 2023.

اللافت هنا أن هذه الميزانية السنوية أقل من نصف قيمة حزمة المساعدات الأمريكية البالغة 21.9 مليار دولار لإسرائيل منذ أكتوبر 2023 فقط. هذه المقارنة تؤكد صحة الادعاء بأن المساعدات الأمريكية السنوية المقدمة للكيان الصهيوني تفوق بأكثر من الضعف الميزانية الدفاعية الإيرانية.

وبحسب تقارير أخرى، فقد قُدّرت ميزانية إيران العسكرية لعام 1403 هجري شمسي (من مارس 2022 حتى مارس 2023) بنحو 7.16 مليار دولار، باحتساب سعر الصرف 43,149 تومان لكل دولار. كما أشار “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” (IISS) إلى أن ميزانية إيران العسكرية لعام 2023 كانت نحو 7.41 مليار دولار. وبشكل عام، تُظهر مختلف التقارير هذا الفارق الكبير بين المساعدات الأمريكية لإسرائيل ومجمل ميزانية الدفاع الإيرانية.

السنة

الميزانية (دولار)

سعر الصرف (تومان/دولار)

۲۰۲۲

6.85 مليار

۲۰۲۴

7.9–7.41 مليار

متغيّر

الالتزام بالتريليونات لدعم الصهيونية

وفقًا لتقديرات مشروع “تكاليف الحرب” (Costs of War) في جامعة براون، بلغت تكاليف العدوانات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عام ۲۰۰۱ — بما في ذلك غزو العراق وأفغانستان وسوريا — أكثر من ٨ تريليونات دولار. هذا الرقم يتضمن:

  • ٢ تريليون دولار كنفقات مباشرة للحروب.
  • ٢ تريليون دولار لرعاية قدامى المحاربين.
  • ٤ تريليونات دولار كفوائد على الديون التي اقترضتها الحكومة الأمريكية لتمويل هذه الحروب.

منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، أنفقت الولايات المتحدة ٤.٨٦ مليار دولار إضافية على عملياتها العدوانية الإقليمية، بما في ذلك هجمات البحرية الأمريكية على اليمن، ونشر حاملات الطائرات، والصواريخ، والقوات. بالمقارنة، تُقدّر التكاليف الإقليمية لإيران في المنطقة كلها بحوالي ١٦ مليار دولار فقط، حسب زعم ترامب، مما يكشف عن فارق شاسع يبلغ ٥٠٠ ضعفًا بين الطرفين.

جدول تصنيفي للتكاليف

التصنيف

التكلفة (دولار)

تفاصيل

حروب ما بعد 11 سبتمبر (۲۰۰۱–۲۰۲۴)

٨ تريليونات

تشمل العراق، أفغانستان، سوريا وغيرها

العدوانات الإقليمية (۲۰۲۳–۲۰۲۴)

٤.٨٦ مليار

هجمات بحرية، نشر قوات، حاملة طائرات (٥٠ ألف جندي في ذروتها – أغسطس ٢٠٢٤)

فوائد ديون الحرب

٤ تريليونات

متوقعة حتى عام ٢٠٥٠

الآثار الاستراتيجية للمساعدات الضخمة التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل

  1. . زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط
    المساعدة الأمريكية البالغة ١٧.٩ مليار دولار لإسرائيل، إلى جانب إنفاق ٨ تريليونات دولار على الحروب، تعكس استراتيجية أمريكية شاملة تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني وإشعال حالة عدم الاستقرار في المنطقة. الصراعات المتكررة بين إسرائيل والفصائل المدعومة من إيران، إضافةً إلى المواجهات المباشرة كالهجمات الصاروخية الإيرانية في أبريل وأكتوبر ٢٠٢٤، منحت مبررات جديدة لتعزيز الدعم الأمريكي — بما في ذلك نشر غير مسبوق لـ ٥٠ ألف جندي أمريكي في أغسطس ٢٠٢۴، واستقدام منظومات مثل THAAD. ومع ذلك، يرى عدد من الخبراء الغربيين أن هذه التكاليف الباهظة لم تنجح في كبح نفوذ إيران، ما أثار تساؤلات حول فعالية هذا الإنفاق الضخم.
  2. تداعيات اقتصادية وسياسية داخلية
    تكاليف الحروب الأمريكية، التي تجاوزت ٨ تريليونات دولار، ساهمت في تضخم الدين الفيدرالي الأمريكي، ومن المتوقع أن تصل فوائد هذا الدين إلى ١.٧ تريليون دولار بحلول عام ٢٠٣٠. الـ ١٧.٩ مليار دولار المقدّمة لإسرائيل في عام ٢٠٢٤ أثارت جدلاً داخليًا واسعًا، حيث انتقد مسؤولون مثل جوش بول الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة بدعم أمريكي، مما دفعه إلى الاستقالة من منصبه في الحكومة الأمريكية عام ٢٠٢٥ احتجاجًا على ذلك. كما تسببت هذه المساعدات، رغم ضررها الاقتصادي، في تراجع كبير في الرأي العام الأمريكي تجاه الحكومة، وخصوصًا بين الشباب والنخب الأكاديمية والإعلامية.
  3. تجاهل الأبعاد الإنسانية والأخلاقية
    حجم الدعم العسكري الأمريكي، وخصوصًا في مجال الأسلحة الهجومية، وُوجه بانتقادات حادة من قبل نشطاء وخبراء قانونيين دوليين، وذلك بسبب العدد المرتفع جدًا من القتلى المدنيين في غزة (أكثر من ٤٣,٠٠٠ حتى أكتوبر ٢٠٢٤). يرى الكثير من المنتقدين أن الدعم غير المشروط يسمح بانتهاك صارخ للقوانين الإنسانية الدولية، دون أي ضوابط أو محاسبة تُذكر.

الإنجيليون الأمريكيون الداعمون للصهيونية

تصريحات جو بايدن في أكتوبر ٢٠٢٣، التي وصف فيها نفسه بأنه “صهيوني”، لم تكن مجرد تعبير عن دعم سياسي، بل تعكس انتماءً أيديولوجيًا عميقًا والتزامًا طويل الأمد من قبل الساسة الأمريكيين تجاه الكيان الصهيوني. هذا التوجه ليس جديدًا، إذ يعتبر الكثير من السياسيين الأمريكيين أن دعم إسرائيل هو ضرورة أخلاقية واستراتيجية.

هذا الاعتقاد متجذر بشدة بين فئة الإنجيليين المسيحيين، الذين يشكلون جزءًا كبيرًا من القاعدة الانتخابية في الولايات المتحدة، وكذلك من الطبقة السياسية.
وفقًا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) عام ٢٠٢٢، فإن ٥٥٪ من الإنجيليين الأمريكيين يعتبرون أن دعم إسرائيل هو واجب ديني. هذا المنظور الديني العقائدي يسهم بشكل كبير في تعزيز الدعم الحزبي المزدوج داخل الكونگرس الأمريكي لاستمرار المساعدات العسكرية السخية لإسرائيل.

ومن اللافت للنظر أن ٢٧٪ من الإنجيليين البيض في الولايات المتحدة يرون أنه يجب أن تكون هناك فقط دولة إسرائيلية يهودية دون أي وجود لدولة فلسطينية أو اعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.
كما يعتقد ٣٠٪ من الإنجيليين البيض أن الله أعطى أرض “إسرائيل” لليهود، وبالتالي يعتبرون أن لها حقًا إلهيًا غير قابل للنقاش، بما في ذلك مدينة القدس المحتلة.

اسناد
اسناد
اسناد

دور النيوكون واللوبيات الصهيونية

السياسيون المحافظون الجدد، الذين يُعرفون بتبنيهم مواقف متشددة في السياسة الخارجية ودعمهم القوي لإسرائيل، أدّوا دورًا محوريًا في استمرار الدعم العسكري الأمريكي لتل أبيب. النيوكون الذين عملوا في إدارة جورج بوش، كانوا من أنصار السياسات التي جعلت المصالح الأمريكية متوافقة مع إسرائيل، بما في ذلك حرب العراق عام ٢٠٠٣؛ وهي حرب، بحسب باحثين مثل جون ميرشايمر وستيفن والت، بدأت بوضوح تحت تأثير اللوبيات المؤيدة لإسرائيل.

كما تؤدي اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC) دورًا أساسيًا في هذا السياق؛ ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة OpenSecrets، فإن الجماعات المؤيدة لإسرائيل قدّمت في عام ٢٠٢٠ مبلغًا قدره ٣٠.٩ مليون دولار كمساعدات مالية لحملات انتخابية أمريكية. ويؤدي نفوذ AIPAC إلى جعل المساعدات الأمريكية لإسرائيل أولوية دائمة، وغالبًا ما تُستخدم كأداة لمواجهة إيران. ومن اللافت أنّه خلال لقاء نتنياهو مع ترامب في البيت الأبيض عام ٢٠٢٥، تم تقديم إيران كتهديد مشترك لكلا البلدين.

التكامل الاستراتيجي والأيديولوجي

يتجلّى التوافق الأيديولوجي بين المحافظين الجدد واللوبيات الصهيونية في التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على «التفوق العسكري النوعي» لإسرائيل (QME)، وهو مبدأ تم الاعتراف به رسميًا في قانون نقل حاملات الطائرات عام ٢٠٠٨. تضمن هذه السياسة أن تظل إسرائيل متفوقة عسكريًا على جميع اللاعبين الإقليميين مثل إيران. وفي هذا السياق، تؤدي المساعدات الأمريكية لإسرائيل دورًا تعويضيًا مقابل مبيعات الأسلحة للدول العربية (وبمعنى آخر، فإن بيع الأسلحة الأمريكية لدول المنطقة يجب أن يكون، من حيث النوعية، أدنى من القدرات العسكرية التي تزوَّد بها إسرائيل).

كان النيوكون مثل السيناتور جيسي هلمز يصفون إسرائيل بأنها «حاملة الطائرات الأمريكية في الشرق الأوسط» ويدافعون عنها كضرورة استراتيجية. ومع ذلك، فإن منتقدين مثل الجنرال ديفيد بتريوس قد حذروا من أن الانحياز الأمريكي الأحادي لإسرائيل يؤدي إلى تصاعد الكراهية تجاه الولايات المتحدة في العالم العربي ويعقّد علاقاتها مع حلفائها الإقليميين.

رغم هذه التحذيرات، فإن نفوذ مجموعات مثل AIPAC وهيمنة الإنجيليين المتشددين يجعل المساعدات الأمريكية لإسرائيل مستمرة بلا شروط، ويجعل كل محاولة لتقليصها بلا جدوى.

تُظهر الرسوم البيانية أدناه بوضوح كيف حافظت إسرائيل على تفوقها العسكري النوعي مقارنة بالدول الأخرى التي تشتري أسلحة أمريكية في المنطقة، من عام ٢٠٠٠ حتى ٢٠٢٤. وبموجب المبدأ الذي أقره الكونغرس لأول مرة عام ١٩٩٢، فإن على الحكومة الأمريكية أن تضمن ألا تتجاوز كمية ونوعية الأسلحة المباعة لأي طرف في المنطقة ما يُقدَّم لإسرائيل، وأن تظل الأخيرة دائمًا في موقع تفوق على جيرانها.

اسناد
اسناد

انتقادات داخل المجتمع الأمريكي

تُحدث المساعدات الضخمة التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل تحت تأثير الأيديولوجيات الصهيونية وضغط المحافظين الجدد (النيوكان)، آثارًا ملحوظة. ففي الداخل الأمريكي، تُحول هذه الأموال بعيدًا عن الاحتياجات الملحة مثل البنية التحتية التي يحتاجها الشعب، وتتجه نحو الأراضي المحتلة؛ حتى إن مستخدمي منصة التواصل الاجتماعي X يعبّرون عن استيائهم بعبارات مثل: «لماذا يجب أن تحظى إسرائيل بالأولوية على بنى تحتيةنا؟»

على الصعيد الإقليمي، تعزز هذه المساعدات القوة العسكرية لإسرائيل، لكنها تزيد في الوقت نفسه من التوترات مع إيران وجماعات محور المقاومة؛ فمثلًا، أدت هجمات الحوثيين في ٢٠٢٤ إلى تكلفة بلغت ٤.٨٦ مليار دولار على الولايات المتحدة. ويعتقد المنتقدون أن نفوذ AIPAC والنيوكان قد شوّه السياسة الخارجية الأمريكية. فقد أشارت مقالة في مجلة Foreign Policy عام ٢٠٢٤ إلى أن هذه المساعدات غير المشروطة كانت عائقًا أمام معالجة الأزمة الإنسانية في غزة. ولا تزال محاولات التوازن بين الالتزام تجاه إسرائيل والمسار الدبلوماسي، كإحياء الاتفاق النووي مع إيران، تواجه ضغوطًا من هذه اللوبيات.

اسناد 4

تشير أرقام المساعدات التي بلغت ٢١.٩ مليار دولار لإسرائيل منذ أكتوبر ٢٠٢٣ مقابل ميزانية إيران البالغة ٧.٩ مليار دولار في ٢٠٢٤ إلى فجوة عميقة تنبع من التزام الولايات المتحدة بالصهيونية ونفوذ السياسيين النيوكان واللوبيات الصهيونية. لقد أدى النفوذ المالي لـ AIPAC، ودعم الأوڤانجليست، والغطاء الأيديولوجي للنيوكان إلى بقاء أمن إسرائيل في مقدمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، حتى وإن كلف ذلك زعزعة الاستقرار الإقليمي وإهمال الاحتياجات الداخلية للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن هذه المساعدات تضمن التفوق العسكري لإسرائيل، إلا أنها في الوقت نفسه تزيد من تعقيد النزاعات وترفع من التكاليف الأخلاقية والاستراتيجية على الولايات المتحدة.

تثبيت الدعم غير المشروط لإسرائيل

بعد غزو العراق، نجح المحافظون الجدد، رغم بعض التراجعات والانتقادات، في تحويل العديد من وجهات نظرهم إلى خطاب سائد في السياسة الخارجية الأمريكية. أصبحت سياسة الدعم العسكري السنوي بمليارات الدولارات لإسرائيل، والضمانات الأمنية، ومواجهة البرنامج النووي الإيراني، ومعارضة عودة اللاجئين الفلسطينيين، ودعم توسيع المستوطنات، من المبادئ الثابتة في السياسة الأمريكية.

وفي هذه الفترة، تجاوز نفوذ المحافظين الجدد حدود الحكومة ليشمل مراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، والجامعات، وحتى المؤسسات الدينية والكنائس الإنجيلية. ونتج عن ذلك تحالف دائم بين المحافظين الجدد اليهود واليمين الإنجيلي، يبرر الدعم لإسرائيل على أساس استراتيجي وديني ونهايات الزمن. ولم تُلغَ هذه السياسة بالكامل حتى في فترة إدارة أوباما، رغم محاولاته للتفاوض مع إيران وإيقاف الاستيطان.

التحدي نفوذ التيار المحافظ الجديد ومحور المقاومة

مع ذلك، مارس المحافظون الجدد وحلفاؤهم في الكونغرس، من بينهم شخصيات مثل توم كوتون ومارك روبيو، ضغوطاً كبيرة لمواصلة السياسات العدوانية ضد محور المقاومة. في فترة رئاسة دونالد ترامب، شهدت عودة قوية للمحافظين الجدد مع وجود شخصيات مثل جون بولتون ونيكي هايلي وجاريد كوشنر. من بين إنجازات هذه الفترة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، وخطة تُعرف بـ “صفقة القرن”.
دعم المحافظون الجدد السعودية والإمارات والأنظمة المساومة، وحاولوا تشكيل جبهة واسعة لمواجهة محور المقاومة كان لإسرائيل مركز الصدارة فيها.
لم يكن المحافظون الجدد مجرد تيار فكري، بل كانوا قوة منظمة في السياسة الخارجية الأمريكية. نجحوا في تحويل إسرائيل من حليف إقليمي إلى محور استراتيجي للسياسة الأمريكية في غرب آسيا. الدعم غير المشروط لإسرائيل لا ينشأ فقط من اللوبي أو النفوذ الثقافي، بل هو جزء من مشروع أوسع “الإمبريالية الليبرالية” والحفاظ على الهيمنة الأمريكية في العالم. المحافظون الجدد يرون إسرائيل طليعة هذا النظام؛ نظام يقوم على التدخل السياسي والهندسة السياسية وإضفاء الشرعية على هيمنة أمريكا في المناطق الحساسة

دوستی آمریکا و اسرائیل
دوستی آمریکا و اسرائیل

تعهد الصهيونية في هيكل السياسة الخارجية الأمريكية

غالباً ما تُفسر أسباب الدعم الضخم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل عبر التركيز على حزب سياسي معين، أو تيار أيديولوجي، أو شخصية قوية. لكن البيانات المتعلقة بدعم الولايات المتحدة لإسرائيل تُظهر أن الأمر ليس مجرد مسألة حزبية، أو أيديولوجية، أو حتى شخصية. بل هو مسألة هيكلية متجذرة في السياسة الخارجية الأمريكية. فالدعم لإسرائيل لا يقتصر على المحافظين الجدد، أو الجمهوريين، أو أشخاص مثل السيناتور ليندسي غراهام فقط، بل هو قضية أوسع تمتد عبر طبقة سياسية واسعة في الولايات المتحدة.

كمثال، تُظهر مراجعة التصويتات الخاصة بالمساعدات العسكرية لإسرائيل أن الدعم غالباً ما يكون عبر الحزبين. ففي عام 2021، صوت مجلس النواب الأمريكي بأغلبية ساحقة 420 صوتاً مقابل 9 أصوات ضد، للموافقة على تخصيص مساعدات طارئة بمليار دولار لمنظومة الدفاع الصاروخي “القبة الحديدية”. ومن بين الأصوات المعارضة، 8 كانوا ديمقراطيين وصوت جمهوري واحد فقط، بينما كان غالبية الأعضاء يؤيدون المساعدة.

الديمقراطيون والجمهوريون؛ تآزر الحزبين في دعم إسرائيل

بالإضافة لذلك، دعم رؤساء الولايات المتحدة من كلا الحزبين المساعدات لإسرائيل باستمرار. خلال رئاسة جورج دبليو بوش، بلغت المساعدات الأمنية لإسرائيل مستويات غير مسبوقة، ولم توقف إدارة أوباما هذا الاتجاه بل عززته، ففي عام 2016 أقرّت أكبر حزمة مساعدات عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة لإسرائيل. تُعرف هذه الحزمة باتفاقية مذكرة التفاهم (MOU)، والتي تثبت التزام أمريكا بدفع 38 مليار دولار لإسرائيل على مدى عشر سنوات (2019-2028).

فعلياً، كان كل من الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس يدعمون مثل هذه الاتفاقيات، والتي عادةً ما تُقر بأغلبية ساحقة. على سبيل المثال، خلال التصويت على مذكرة التفاهم بقيمة 38 مليار دولار في 2016، لعب كبار الأعضاء من كلا الحزبين، منهم نانسي بيلوسي (ديمقراطية) وجون ماكين (جمهوري)، دوراً محورياً.

بالمجمل، إن دعم أمريكا لإسرائيل ليس فقط نتيجة قرار حزب أو تيار معين، بل هو نتاج هيكل متجذر في السياسة الخارجية الأمريكية، يستند إلى فرضيات استراتيجية محددة حول مصالح أمريكا في الشرق الأوسط ودور إسرائيل كشريك أمني يجب حمايته.

مواجهة عاصفة الأقصى لمشروع IMEC الإسرائيلي

 

المصادر