الكشف عن الشرق الأوسط الجديد في الأمم المتحدة

في أواخر سبتمبر من عام 2023، ألقى بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، خطابًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. كانت هذه الساحة مألوفة للسياسيين المخضرمين الذين يتذكرون خطاباته السابقة في نيويورك، ولا سيما عرضه الشهير في عام 2012 عندما رسم خطًا أحمر حول صورة قنبلة، ليعبّر عن خوفه من برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم.

لكن هذه المرة، استخدم نتنياهو صورة مختلفة لعرضه، مستخدمًا خريطةً بعنوان “الشرق الأوسط الجديد“، والتي أظهرت جزءًا من المنطقة باللون الأخضر. شملت هذه الخريطة جميع الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي من نهر الأردن حتى البحر الأبيض المتوسط، من دون أي إشارة إلى وجود أرض فلسطينية، إلى جانب دول أخرى مثل مصر، السعودية، البحرين، والإمارات العربية المتحدة. وهذه الدول العربية إما قامت مسبقًا بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، أو، كما في حالة السعودية، ما زالت عالقة في مفاوضات لإقامة علاقات رسمية مع الدولة اليهودية.
خلال هذا العرض، أخرج نتنياهو قلمه الأحمر، ورسم خطًا مائلًا من دبي بمحاذاة الخليج العربي، باتجاه إسرائيل، وصولًا إلى موانئ جنوب أوروبا. وقد أعلن عن ظهور مسار وهمي جديد تحت اسم “ممر الازدهار“، يربط بين هذه الدول العربية وإسرائيل، ليكون في قلب محور جديد للتجارة العالمية يربط آسيا بأوروبا.

قال نتنياهو: «قبل سنوات، وقفت هنا ومعي قلم أحمر لأُظهر المصيبة الكبرى، الكارثة، ومعضلة إيران النووية. لكن اليوم، أستخدم هذا القلم لأُظهر بركةً عظيمة؛ نعمة الشرق الأوسط الجديد، بين إسرائيل، والسعودية، وجيران آخرين».

تغيّر استراتيجي في العلاقات العربية الإسرائيلية

رغم أن أداء نتنياهو في استغلال هذا المنبر للظهور على الساحة العالمية قد يبدو فريدًا من نوعه، إلا أنه كان شديد العزلة في تقديم «الشرق الأوسط الجديد». فقبل اندلاع الحرب المفاجئة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية المسلحة المتمركزة في غزة، كان العديد من المحللين قد لاحظوا التغيرات الجيوسياسية الجوهرية المستمرة في المنطقة. اتفاقيات أبراهام، وهي اتفاقيات برعاية أمريكية بين إسرائيل ومجموعة من الممالك العربية في المنطقة، كانت تُشير إلى رغبة سياسية للخروج من النماذج القديمة التي كانت تُعبّر عن الحالة المتوترة في الشرق الأوسط. إعادة العلاقات الودية بين المملكة العربية السعودية وإيران ساهمت جزئيًا في تخفيف التوتر في واحدة من أكثر المنافسات الإقليمية التهابًا. وقد تم ذلك إلى حدٍّ ما بوساطة صينية، مما سلّط الضوء على حقيقة أخرى: في حين كانت الولايات المتحدة تحاول بشكل واضح أن تنأى بنفسها عن مستنقع النزاعات في المنطقة، بدأت قوى عالمية أخرى تلعب أدوارًا متزايدة في «النظام متعدد الأقطاب» الحالي.

إعادة تموضع الولايات المتحدة لم تكن سوى أحد العوامل التي ساهمت في هذه التحولات الجارية. من بين العوامل الأخرى، تآكل موجة الربيع العربي، والتي شملت الحركات السياسية الإسلامية والديمقراطية، والتي انهارت بعد عقد من الصراعات واللا استقرار والإجراءات المضادة للثورات. في الواقع، فإن الدول العربية الرجعية التي سعت لتقويض هذه الثورات، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، انتقلت من الانخراط في المعارك الأيديولوجية إلى تبني سياسات أكثر براغماتية. وكان دافع هذا التحول هو الحاجة المتزايدة لدى الدول النفطية في المنطقة لتنويع اقتصاداتها، خاصةً مع التوجه العالمي التدريجي نحو إزالة الكربون. كان ولي العهد السعودي مفتونًا بشدة بديناميكية قطاع التكنولوجيا في إسرائيل، في حين بدأت دبي في استقطاب السياح الإسرائيليين.

سخنرانی نتانیاهو در سازمان ملل
سخنرانی نتانیاهو در سازمان ملل

تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، بداية تحوّلات جديدة

خلال الأشهر الماضية، وضعت إدارة بايدن العديد من رهاناتها الإقليمية في سلة تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. ورغم أن الوصول إلى اتفاق لم يكن وشيكًا، إلا أن البيت الأبيض كان واثقًا من نطاقه وعمقه الاستراتيجي، معتقدًا بأنه سيُشكّل نقطة تحوّل في العلاقات الإقليمية. حتى لو أصبحت إسرائيل رسميًا إلى جانب أقوى دولة في العالم العربي من الناحية الجيوسياسية، وحظيت أيضًا بـضمانات أمنية كبيرة من الولايات المتحدة، فإن علاقاتها الوثيقة مع السعوديين قد تُشكّل محورًا رادعًا ضد إيران، مما يتيح لواشنطن تركيزًا أفضل على منافستها مع الصين وتحديات حرب أوكرانيا.

لكن يبدو أن الشرق الأوسط «القديم» ليس من السهل دفنه. فالهجمات العنيفة والدامية التي شنّتها حماس في السابع من أكتوبر من جنوب إسرائيل، تَبعتها حملة هجومية متواصلة وعنيفة من قِبل إسرائيل، أسفرت خلال أيام قليلة عن مقتل ما لا يقل عن 2670 فلسطينيًا في غزة، وتشريد أكثر من 600,000 شخص. منذ ذلك الحين، شهدت إسرائيل موجة دعم واسعة لـالقضية الفلسطينية في جميع أنحاء العالم العربي، بل وحتى في دول إسلامية أبعد. وبالتالي، وفي ظل هذه الهجمات، توقّف الحديث تمامًا عن أي تطبيع للعلاقات بين السعودية وإسرائيل.

مستقبل الشرق الأوسط في نظر الخبراء

عبّر ستيفن كوك عن رأيه في مجلة “فورين بوليسي” قائلاً: «إن نقطة البداية للشرق الأوسط الجديد ستكون في إعادة احتلال قطاع غزة من قِبل إسرائيل، وليس في افتتاح سفارة إسرائيلية في الرياض». إن أمل نتنياهو في تهميش الفلسطينيين ضمن رؤية إقليمية أوسع يبدو أكثر سذاجة من أي وقت مضى، لا سيّما أن جيران إسرائيل، وسط التصاعد الحالي للعنف، يرون بوضوح السبب الأساسي لغياب عملية تمنح الفلسطينيين دولة أو حقوقًا سياسية متساوية. أما مراد ياشلتاش، فقد عبّر عن رأيه في صحيفة “ديلي صباح” التركية قائلاً: «أحداث 7 أكتوبر قد أغلقت مؤقتًا أبواب مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفتحها مجددًا يعتمد على المسار الذي ستتخذه إسرائيل في ما يخص القضية الفلسطينية».

طوفان الاقصی
اعتراضات در اسرائیل

وكتب ميرون ربابورت في المجلة اليسارية الناطقة بالعربية “لوكال كول”: «أعلنت حماس بأوضح وأشدّ وأشدّ الأشكال إيلامًا ودموية أن الصراع الذي يهدد الآن حياة الإسرائيليين هو صراع مع الفلسطينيين. إن الاعتقاد بأنه يمكن تجاوزهم عبر الرياض أو أبوظبي، أو أن إسرائيل إن استطاعت بناء سور بارع بما يكفي ليختفي مليونا فلسطيني محاصر في غزة، هو وهم ينهار اليوم بثمن إنساني مرعب».

سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا باتت الآن في طريق العودة إلى الشرق الأوسط. ومن المقرر أن يعود وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، إلى إسرائيل يوم الإثنين، بعد سلسلة من اللقاءات المكثفة في عواصم دول المنطقة. ورغم أنه لم يتضح بعد مدى علم إيران، الداعم الدولي الرئيسي لحماس، بتفاصيل هجوم السابع من أكتوبر، فإن التوترات مع طهران تتصاعد من جديد. كما أن احتمال دخول حزب الله، ممثل إيران في لبنان، إلى ساحة المواجهة، يزداد يومًا بعد يوم.

ماثيو باروز وروبرت مانينغ من مركز “ستيمسون” كتبوا في مذكرة تناقش بروز “شرق أوسط جديد“، جاء فيها: «إذا انخرطت الولايات المتحدة بشكل مباشر أكثر في هذه الحرب، فقد يُنظر إلى ذلك كخطوة للعودة عن توجه إدارتَي ترامب وبايدن في الانسحاب من الشرق الأوسط لصالح التركيز على الصين وحرب أوكرانيا وروسيا. الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر لم يعد يُعرّف فقط من خلال المنافسات والاتفاقات الثنائية بين الدول، التي بدا وكأنها ستقود إلى تحوّل في المنطقة خلال الأشهر الماضية، بل أيضًا من خلال شبكة من الفاعلين غير الحكوميين المتدخلين والمؤثرين، الذين لا يقل تأثيرهم حتى في حال تحوّل التركيز العالمي إلى أماكن أخرى».
والأهم من ذلك، أن الوضع الراهن يُبرز التفاوتات الصارخة التي تملأ أرجاء الشرق الأوسط: فقر اليمن، والمعاناة المستمرة للاجئين السوريين، مقابل الثروات الهائلة للأسر الحاكمة في السعودية أو الإمارات؛ ومهما بلغت ثقة وقوة القطاع الخاص الإسرائيلي، هناك أيضًا فشل جارهم لبنان، واليأس العميق لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال منذ أكثر من نصف قرن.

نتنياهو وعودة السخط الشعبي

كتبت مجلة “الإيكونوميست” في مذكرة نُشرت في سبتمبر 2023: «الفائزون الجدد في الشرق الأوسط يُجسّدون نمط تفكير تعاوني ومشترك من المرجّح أن يجعلهم أكثر ثراءً. أما الخاسرون، فيذكّروننا بالحقيقة التالية: في عالم أصبحت فيه القوانين والمبادئ أقل تأثيرًا، لا أحد سيأتي لإنقاذك. نتنياهو، (مبشّر الشرق الأوسط الجديد)، يجب أن يُدرك أن في هذا “الشرق الأوسط الجديد” قد لا يكون هناك مكان للغفران». تُظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل أن غالبية السكان يحمّلون حكومته مسؤولية الفشل في حماية الإسرائيليين في أكثر أيام تاريخ بلادهم دموية (7 أكتوبر). وبعد انتهاء هذه الجولة من الصراع، فإن استعادة موقعه السياسي ستكون على الأرجح صعبة للغاية».

صرّح سولون سليمان، النائب السابق في الكنيست وأستاذ القانون الدولي في جامعة برونيل في لندن: «من شبه المؤكد أنه بعد انتهاء العملية البرية للقوات الإسرائيلية، وبعد بضعة أشهر، لن يكون نتنياهو بعد ذلك رئيسًا للوزراء في هذا البلد».

المصادر